إبراهيم صرصور:الحلول الظالمة مدخل لصراع قادم
أين العدالة في اعتقال بريطانيا للشيخ رائد صلاح لا لسبب، ولكن استجابة لتحريض مجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل والصهيونية على المستويين السياسي والإعلامي
اعتقال الشيخ بعد يومين من نزوله العلني إلى الأراضي البريطانية عبر اكبر بواباتها وبالشكل المهين الذي كان عليه الاعتقال ، لهو اكبر دليل على ازدواحية المعايير
في زيارتي لشيخ جليل من أحدى القرى الفلسطينية بحثا عن حل لنزاع نشب بين طرفين من الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر ، تهيأت فرصة ذهبية للاستفادة من تجربته الغنية كرئيس للجنة إصلاح تمتعت لأكثر من خمسة عقود بإحترام لا مثيل له بسبب نجاحاتها في فض النزاعات وإصلاح ذات البين بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد واللغة الواحدة والقومية الواحدة والمصير الواحد، حدثني عن قصة فيها العبرة والدرس.
حصد الأرواح!!
تقول القصة أن نزاعا نشب بين عائلتين في إحدى القرى ، الأولى تتمتع بالقوة المادية والعددية إضافة إلى التأثير السياسي والاجتماعي على المشهد العام في البلدة ، والأخرى من عامة الناس الذين إذا حضروا لم يُعْرفوا ، وإذا غابوا لم يُذكروا كما يقال ، كان نتيجة النزاع إن وقع قتيل من العائلة المتواضعة على يد واحد من العائلة المتنفذة. كعادة مجتمعاتنا العربية ، تنادى أهل الخير من اجل العمل على حقن الدماء ودفع الأطراف إلى صلح يمنع تدهور الأوضاع واستمرار الثأر الذي قد يحصد الأرواح تلو الأرواح ... بدأت المفاوضات والزيارات المكوكية بين الطرفين ، وقد لوحظ أن لجنة الصلح أبدت انحيازا إلى العائلة المتنفذة ، عائلة القاتل ، لا لسبب إلا لأنها من العائلات التي يُحسب لها حساب ... هذا الانحياز انتهى ( بفرض ) صلح على عائلة المغدور الفقيرة لم يكن منصفا بحال من الأحوال ... تحت وطأة الضغط ولغياب قدرة أفراد أسرة القتيل الذين كانوا صغارا على تمثيل أنفسهم بالشكل المطلوب ، قبلت الأسرة بشروط الصلح المجحفة بحقها على مضض ... سلموا بالصلح ظاهرا ، إلا أنهم لم يرضوا به أبدا بسبب ظلمه لهم وتفريطه بحقوقهم لمصلحة العائلة ذات الجاه والمال والسلطان.
بذور نزاع قادم
عرف حكيم تلك البلدة بشروط الصلح ، فنصح بتعديله بما يتفق مع قواعد العدالة ، وحذر من مغبة الاستمرار فيه لما يحمل في طياته من بذور نزاع قادم وفتنة قد تنام قليلا لكنها لن تموت لم يأخذ أحد بنصيحته ، وآثرت لجنة الصلح تنفيذ الاتفاق بالسرعة الممكنة ... وجرت المقادير ، واستمرت الحياة لسنوات تجاوزت العشرين في أحد الأيام نقلت الأخبار وقوع عملية قتل في نفس البلدة، القاتل قبل عشرين عاما أصبح قتيل اليوم ... اصطاده أحد أبناء المغدور منذ عشرين حولا مضت .. كان قاتل اليوم حينها صغيرا ، لكنه كبر في ظل الشعور بالمظلومية ، فظلت نار الثأر من القاتل مضطرمة في القلوب ، تغذيها أجواء داخل البيت ما فتأت تئن تحت وطأة التسوية الظالمة ، وكأن دم القتيل ما زال حارا رغم مرور المدة الطويلة.
ضرب من تبقى من أعضاء لجنة الصلح على قيد الحياة والتي أبرمت الاتفاق ، أخماسا بأسداس ، وَحَلَّقَتْ نظراتهم تائهة ، وحاولوا عبثا التواري من الناس خجلا من سوء ما قدمت أيديهم ... حارت عقولهم فيما يجب عمله وقد أُسْقِطَ في أيديهم ، فتذكروا ذلك الحكيم الذي حذرهم من خطر إبرام الاتفاق المجحف على النحو الذي كان عليه وقد أمد الله في عمره ، فجاءوا إليه يسعون . ابتسم حينما سمع بأخبار الواقعة الجديدة ، وقال قولا فيه من الحكمة ما لا غنى لأحد ، أفردا أو مجموعات أو حتى دولا ، من الاستفادة منه ... قال واصفا الحال ، " لقد قتلمتوه ( أي القتيل الجديد ) منذ عشرين عاما ، ولم يُقْتَل اليوم ، فلما الاستغراب والعجب ... لقد كان ذلك متوقعا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . " ... لقد ذَكَّرَ الشيخ بقاعدة خالدة لا صلاح للوجود على الحقيقة إلا بها ... الحلول والتسويات الظالمة قد تخفف من ارتفاع لهيب النار ، لكنها أبدا لن تُخمدها ، وستعود لتضطرم من جديد في أول لحظة سانحة تتهيأ لها.
ذكرني بهذه القصة ما نراه من حراك له صلة بفلسفة التسويات وطبيعتها في مجتمعاتنا الإنسانية ابتداء من فض النزاعات بين الأفراد أو المجموعات وانتهاء بالدول ... لم تعد مبادئ العدالة الطبيعية هي التي تحكم عملية التسوية ، ولكن منطق المصالح والقوة والنفوذ ... لم يعد يكفي لقضية ما أن تصل إلى منتهاها بناء على القواعد الخالدة أن تكون عادلة فقط .. هذا لا يكفي ... يجب أن تتوفر عوامل أخرى حتى تتحقق العدالة ويحصل صاحب الحق على حقه ، من أهمها القوة التي تحمي الحق ، فإن لم توجد ، فمرجعية تحفظ الحق وتحقق العدالة بناء على قواعد راسخة لا تتأثر بموازين القوى ، ولا تنحاز لكبير أو صغير ، وإنما تدور مع الحق حيث دار وحيثما كان ...
مجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل
ولنا أن نسأل ، أين العدالة مثلا في اعتقال ( بريطانيا العظمى !!! ) للشيخ رائد صلاح لا لسبب ، ولكن استجابة لتحريض مجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل والصهيونية على المستويين السياسي والإعلامي ، الذين شنوا حملة شرسة على الشيخ منذ أعلن ( مركز الدراسات الشرق أوسطية ) في لندن استضافته للشيخ وتنظيم جولة محاضرات ولقاءات للتعريف بمعاناة القدس والفلسطينيين ، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة والبرلمان البريطاني بشكل حثيث إلى تغيير قوانينها لحماية قادة إسرائيليين متهمين رسميا ومن خلال تقارير دولية ( كتقرير غولدستن ) وغيرها ، بارتكاب جرائم حرب ، وتسهيل دخولهم على الأراضي البريطانية دون أن يتعرضوا لأي نوع من المضايقة ، ودون أن يتعرضوا للاعتقال ؟؟!!!... مع الفارق الكبير حيث لا وجه للمقارنة ، نسأل أيضا أين العدالة البريطانية في هرولة رجال المخابرات البريطانيين في اتجاه طائرة أقلت وزيرة الخارجية الإسرائيلية أثناء ( حرب غزة ) وزعيمة حزب ( كاديما ) المعارض حاليا ، وقد حطت طائرتها في مطار ( هيثرو ) قبل مدة ، ليبلغوها بأمر اعتقال صدر في حقها إن هي نزلت إلى الأراضي البريطانية ، الأمر الذي أدى إلى عودتها من حيث أتت ؟؟!!! ماذا لو كان الذي في الطائرة عربي أو مسلم صدر في حقه أمر اعتقال بريطاني ؟؟ أكانت السلطات البريطانية تتصرف بنفس الطريقة ، أم أنها كانت ستقتحم الطائرة بقواتها الخاصة تحت أضواء كاميرات الإعلام المحلية والعالمية ؟؟!!! إن اعتقال الشيخ رائد صلاح بعد يومين من نزوله العلني إلى الأراضي البريطانية عبر اكبر بواباتها ( مطار هيثرو ) دون مسائلة ، وبالشكل المهين الذي كان عليه الاعتقال ، واستمرار احتجازه حتى اليوم ، لهو اكبر دليل على ازدواحية المعايير ، وغياب العدالة عن فضاء دول تدعي الديمقراطية ... قل مثل ذلك في تعامل المجتمع الدولي المجحف والظالم مع الملف الفلسطيني والحق الفلسطيني المشروع ، في الوقت الذي لا يجرؤ على النظر في وجه إسرائيل رغم ما ترتكبه علنا من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان والقوانين والقرارات الدولية ... هذا التعامل المجحف إن حقق أهدافه مؤقتا في فرض إرادته على ( داود الفلسطيني ) في مواجهة ( جوليات اليهودي ) ، فإن ذلك لن يطفئ أبدا شعلة الإصرار الفلسطيني مهما طال الزمن ، وقد عودنا التاريخ أن على الباغي تدور الدوائر.
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب.
لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.co.il