إبراهيم صرصور:أدوات السيد لا يمكن أن تهدم بيت السيد
الجوانب التي لفتت الانتباه في الانتخابات التشريعية التي جرت في مصر عام 2010 ، والتي حصلت فيها أحزاب المعارضة بما فيهم ( الإخوان المسلمون ) على صفر مقاعد ، مما شكل مع عدد كبير من الأسباب التي تجمعت عبر عقود من القهر ، عود الثقاب الذي أشغل ثورة ( 25 كانون ثاني/يناير ) المصرية ، كثيرة جدا ، حيث وقف القمع السلطوي والتنكيل الحكومي والارهاب الامني على قمة الظواهر التي رافقت كل مراحل العملية الانتخابية ، حيث تحولت اللجان الانتخابية فيها الى ساحات مواجهة بين الأمن المركزي مدعومين بعصابات ( البلطجية ) الذين تلقوا الأوامر من أعلى المستويات في السلطة بمنع مصوتي المعارضة من الوصول الى اللجان ، والوقوف بشراسة في وجه الناخب المصري الحر الذي اصر على ممارسة حقه في اختيار ممثليه مهما كان الثمن . لقد كانت النتيجة مأساوية .. قتل ودماء ودموع ، شكلت بداية حراك أدخل مصر في عهد جديد، نفى عنها خبث العهود الاستبدادية القديمة ، وأسس لنهضة سياسية جديدة أرجو أن تطلق الحريات، وتلغي الاحكام العرفية الجائرة، وتحارب الفساد،وتُؤَمِّنُ تداول السلطة بشكل سلمي، وتحقق التنمية على كل المستويات وعلى كافة الأصعدة .
قطرة الماء التي ستسبب الطوفان
الأوضاع في مصر كانت ناضجة تماما لميلاد شيء ما ... الشعب كان ينتظر الفرصة السانحة ... كان على موعد مع قطرة الماء التي ستسبب الطوفان ... أتكون من الداخل أم من الخارج ؟؟ ماذا سيكون شكلها ، وماذا ستكون أدواتها ؟؟ حركة طوفان التغيير جاءت مفاجئة تماما من حيث الكم والكيف ، ومن حيث أدوات الفعل ... جاءت كزلزال في قاع المحيط نضح أمواجا للتغيير أشبه ( بتسونامي ) ، من قعر بلا قرار ، قَلَبَ الموازين وحقق المعجزة ...
هذا التغيير المزلزل في أكثر من بلد عربي ، وضعنا أمام معضلة ما زالت تشغل بال الكثير من المفكرين والمناضلين على حد سواء ، كان في صلب حوار عميق بيني وبين أحد الأصدقاء حول سبل التغيير في ظل أنظمة قمعية جعلت من التحكم في ( معرفة المقموع ) هدفها الذي تعول عليه في إحكام سيطرتها وتشديد قبضتها على الشعوب ، كما يقول ( ستيفن بيكو ) أحد رموز النضال ضد نظام ( الأبارتهايد ) السابق في جنوب أفريقيا ... لقد حرصت أنظمة الاستبداد على التحكم في المشهد العام بكل تفاصيله ، فإن سمحت للمعارضة بمساحة ما فبقدر ما يخدم مصالحها تتسع وتضيق بناء على ذلك ، لكنها حرصت دائما على أن تظل ممسكة بالخيوط وراسمة لحدود وقواعد اللعبة ، ومحددة لأدواتها ، اعني بذلك ( أدوات السيد !!!) ، فلا يخرج فعل الآخر المختلف والمخالف ( والمشاغب !! ) في نظرها عن الحدود المرسومة ، لأنه يعرف تماما أنه وفي اللحظة التي يخرج فيها عن دائرة السيد/الحاكم المرسومة ، وفي اللحظة التي يختار فيها أدواته من خارج نطاق هذه الدائرة ، وينتج قواعده هو للعبة بعيدا عن قواعد لعبة ( السيد ) ، فإن ذلك يعني بالضرورة بداية هدم هذا البيت من قواعده ، وإزالته بالكلية وإقامة شيء آخر مكانه مختلف تماما ...
ثوار ليبيا واليمن
يبدو لي أن شباب الثورتين في تونس ومصر وعوا هذه الحقيقة ، وكذلك ثوار ليبيا واليمن وإن اختلفت ظروف المواجهة في هذين البلدين والتي قد تأخذ الثورات فيهما وقتا أطول لتحقيق أهدافها وبلوغ غاياتها ، وقد تحتاج إلى تضحيات أعظم بسبب طبيعة أنظمة الاستبداد فيهما ... وصل الثوار الشباب إلى قناعة أنه لا يمكن لهم أن يغيروا أوضاعهم ، كما ويستحيل عليهم أن يزيلوا كابوس الاستبداد من على صدروهم ما داموا يستعملون أدوات السيد الحاكم ... فكان لا بد من التمرد على هذه الأدوات التي لم يكن منها مثلا الثورات الشعبية المليونية السلمية الداعية إلى تغيير النظام ، وليس إلى إصلاحه ... تغيير وليس إصلاح ... وبأدواتٍ هي ملك الشعب ومن إنتاجه ، وليست ملكَ الحاكم أو السيد ... بذلك أصبح الشعب حرا وإن لم يتحرر بعد ... المطالبة بالتغيير لا بالإصلاح معناه رفض أسلوب الترقيع والتغيير من الداخل ، فالداخل هذا لا علاقة له بالشعب وبمصالحه الحقيقة ، ولكنه الطريق إلى ( تأبيد ) الدكتاتورية ( وتخليد ) الاستبداد ... كان الثوار في تونس ومصر في منتهى الحذر والانتباه من مغبة الانجرار إلى ساحة السيد المستبد ، وظلوا ينأون بأنفسهم عن محاولاته المكشوفة لإرجاع ( القطيع ) إلى حظيرته من خلال تقديم تنازلات محدودة لا تهدم بيت السيد تماما ، ولكنها تغير في طلاء جدرانه وترتيب غرفه على أكثر تقدير ... الشعب أراد تغيير النظام وليس إصلاحه ، وهذا هو الذي صنع الفرق وحقق المعجزة ، وحرك أخيرا ( أبا الهول ) الذي ارتبط سكونه آلاف السنين بسكون الشعب المصري ، حتى قيل ( إن تحرك أبو الهول ، فيمكن للشعب المصري أن يتحرك ) ... الذي حصل أن الشعب المصري تحرك ، وإن ظل ( أبو الهول ) في سكونه ، لأن الشعب قد وعى أخيرا قواعد اللعبة ...
مناضلة نسوية سوداء
ذكرني صديقي أثناء نقاشنا للموضوع بقولة مشهورة تعبر عن هذا المعنى لمناضلة نسوية سوداء ضد العنصرية في أمريكا ، حيث قالت :
( أدوات السيد لا يمكن أن تهدم بيت السيد . )
(هذا كلام صحيح ، خصوصا حينما يكون الأمر متعلقا بتغييرات جذرية تقلب الأوضاع رأسا على عقب ، بالمعنى الإيجابي طبعا ، وإلا فلا فائدة ... فالمطلوب ليس تغيير استبداد باستبداد آخر ، ( فملة الكفر واحدة ) كما يقال . الثورتان في تونس ومصر كانتا ثورتين خارج نص النظام ، ولذلك نجحتا في التغيير الذي أرجو أن يستمر ، فما زالتا في مرحلة ما بعد البداية ... بناء البيت الجديد على أسس جديدة من الحرية الحقيقية والديمقراطية الحقيقة والتنمية الحقيقة ، معناه فعلا الزوال النهائي لنظام السيد القديم ...
يظل السؤال في النهاية ، هل يمكننا نحن هنا في إسرائيل من تبني نفس التكتيك للتغيير ، أم أن قِطَعَ الصورة هنا ليست كتلك التي هناك ؟؟!! ... أترك هذا السؤال ربما لنقاش أهل الدراية لعلهم يعطون عليه جوابا ...