أوقفوا دائرة العنف الجهنمية/ بقلم: الأب رائد أبو ساحلية
الأب رائد أبو ساحلية في مقاله:
الأب رائد أبو ساحلية في مقاله:
أصوات المتطرفين أقوى من صوت العقل والمنطق، فلا أحد يسمع ولا أحد يُجيبُ النِداء
إننا بحاجة لحلول عادلة كاملة شاملة بأسرع وقت ممكن ومرة واحدة وللأبد فلتكن كلمتنا واحدة ويدنا بيد بعض ولنتحمل المسؤولية التاريخية ولنعط السلام فرصته الأخيرة
صحيح إن ضرب الخصم بضربات موجعة في العمق وتكبيده خسائر بشرية يجعله يشرب من نفس الكأس التي نشربها منذ زمن طويل ولكن هذا المنطق يقود إلى نفس الرد بأن للخصم الحق في تكبيد خسائر أفدح من باب العقاب والردع والترهيب
لا يُمكِن للمرءِ أن يرى ما يحدث حولنا ويقفُ مكتوفَ الأيدي صامتَ اللسان وإلا أصبحَ شريكاً أو متعوداً أو شامتاً أو موافقاً على سفك الدماء من الجهتين – رغم أننا لا نساوي بين الجلاد والضحية- لذلك نطلق صرخة لوقف فوري للعنف المتبادل... ولكن يبدو أن أصوات المتطرفين أقوى من صوت العقل والمنطق، فلا أحد يسمع ولا أحد يُجيبُ النِداء. وعندي من الأسباب الوجيهة ما يدعوني إلى أن أضمَ صوتي الصغير إلى أصواتِ العقلاء وأصرخ من جديد: أوقفوا دائرة العنف الجهنمية!
تلوح في الأفق بوادر عاصفة هوجاء تؤذن بمزيدٍ من الدمارِ والدماء، وهذا هو منطق التهديد الذي نسمعه: كل الرؤوس مطلوبة. فكلما سقط رأس من جهة سيسقط رأسين من الجهة الأخرى وأكثر، وهكذا دواليك والحبل على الجرار... هذه هي لغة الحوار وليس غيرها من لغة، فقد ألغيت كل اللغات الأخرى، فلا غالبٌ ولا مغلوبٌ بل الكلُ مغلوبٌ على أمره.
من الطبيعي أن تواجه القوة بقوة أقوى منها، وبالتالي فإن ما يُستخدم من أساليب حالياً يؤذن أيضاً بالتصعيد المستمر، فهذا يستخدم الرصاص والثاني يستخدم الصاروخ فالدبابة والطائرة، مما يعطي الذريعة لاستخدام أي نوع من السلاح، وهذا تصعيد خطير يجر إلى نتائج وخيمة لا تُحمد عُقباها. فالمطلوب هو عدم الرضوخ لمثل هذا المنطق والتحلي بالحكمة والشجاعة لوقف هذه الأساليب وتبني وسائل بديلة لكي لا نعطي للطرف الآخر الذريعة باستخدام كل أنواع القوة التي يمتلكها بتفوق... خاصة وأن استخدامه لها شبه مسموح وشرعي في أعين العالم بينما استخدام أي أشكال المقاومة مُدانٌ لأنه غير مفهوم ويؤدي إلى نتائج عكسية ويُفقدنا تأييد الرأي العام الدولي.
إذا، حسبنا الأمر بمقاييس الربح والخسارة، صحيح إن ضرب الخصم بضربات موجعة في العمق وتكبيده خسائر بشرية يجعله يشرب من نفس الكأس التي نشربها منذ زمن طويل، ولكن هذا المنطق يقود إلى نفس الرد بأن للخصم الحق في تكبيد خسائر أفدح من باب العقاب والردع والترهيب، وأعتقد بأن شعبنا في هذه الحالة دفع ثمناً باهضاً في الأرواح والبيوت والممتلكات مما يزيد آلامه ويعقد حياته ويقطع عليه أبسط سبل العيش الضرورية لكي يسترد أنفاسه... لذلك فمن الحكمة أيضاً، أن يُعاد النظر في هذه السياسة رأفة بالأطفال والنساء والعائلات التي أصبحت تمد اليد للقمة العيش. صحيح أن شعبنا تعوَّد على مثل هذه الأوضاع الصعبة مثل "جمل المحامل" ويضرب به مثل "صبر أيوب" ولكن للصبر حدود. إن استراحة المحارب ضرورية لالتقاط الأنفاس.
قد يقول البعض بأن الخصم لا يفهم إلا لغة القوة، وعدم الرد يعطيه المجال للتمادي في غيه والاستمرار في استفراده بابناء شعبنا... كما أنه غير جاد في سلوك طريق السلام، وما المفاوضات إلا أوهام بأوهام وحبر على ورق، فمصيرها مزبلة التاريخ وسيأكلها الغبار... كل هذه الاعتراضات وجيهة وصحيحة، ولكن بدلاً من الدخول في دائرة العنف، يمكن التصدي له لا بل الهجوم عليه بالمنطق بأن شعبنا موحد في الأهداف والوسائل، عندها يمكن الوقوف بالمرصاد لأي تجاوز أو تفريط أو تنازل، والمطالبة بقوة بكافة الحقوق.. والتوجه الى كل المحافل الدولية ومنها محكمة الجنايات الدولية لتجريم الاحتلال وممارساته.. كما أنه من الأفضل أن تنضم المعارضة على اختلاف أطيافها في صف من يعملون في تحقيق السلام بدلاً من أن يوصفوا بالإرهاب والعداء للسلام.
وبالرغم من الهجمة الشرسة بعد مقتل المستوطنين الثلاثة، وبعد الانتقام البشع باستشهاد الفتى أبو خضير، واندلاع المواجهات في ضواحي القدس، واطلاق الصواريخ من غزة، والهجمات الاسرائيلية على القطاع، فاني اتمنى على حركة حماس ألا تنجر وراء التصعيد، لأنها ستفتح أبواب جهنم وستحصد مزيداً من الضحايا الأبرياء، في القطاع المحاصر منذ سنوات والذي تعرض لحربين متتاليتين في العقد الاخير. على الأخوة في حماس استخدام الورقة الرابحة التي بأيديهم وهي العدوان غير المبرر عليهم ليقولوا للعالم بأنهم يتعرضون للعقاب من غير وجه حق، بدلاً من الوقوع في الفخ من جديد مما سيفتح الباب على كل الاحتمالات. ألا يوجد بين القادة السياسيين للحركة من يقول كلمة مختلفة ويدعو لوقف جميع أنواع المقاومة العنفية ويوجه الحركة إلى حركة مقاومة سياسية؟ إننا نناشدهم ونشد على أيديهم أن يقوموا بهذه الخطوة الشجاعة قبل فوات الأوان.
سيقولون لنا هذا تعطيل وأماته لروح الجهاد، سنلتزم ولكن لا تجدي الأخلاق مع من لا يلتزمها، إن قول الحق من غير قوة لا أثر له، سيتهموننا بالخوف والجبن والرضوخ للتهديد، هذا تنصل من تحمل المسؤولية وتغيير للمباديء، هذا تهور وتفريط وتنازل دون مقابل، فليبدأوا أولاً بوقف النار والكف عن الاغتيالات وتدمير البيوت ويطلقوا الأسرى ويفتحوا الطرق وينهوا الاحتلال ثم لا يعُد حاجة لاستخدام القوة... وغيرها من الحجج المنطقية الصحيحة...
ولكن يا اخوان، إن الاستمرار في هذا المنطق سيقود إلى مزيد من الدماء والدمار ويعزز ارادة القوة والتحدي في الطرف الآخر.. لا بد من البدء بالخطوة الأولى ومن ثم تطالبون بكل ما تريدون وبقوة الحجة والمنطق على طاولة المفاوضات، لأنه آجلاً أم عاجلاً سيحين الوقت الذي فيه يجلس الجميع ليقول ما في جعبته، فلا يمكن أن يظل الأعداء أعداء إلى الأبد، وليس محكوم علينا أن نبقى في هذا الصراع إلى الأبد، ومن حق أبنائنا أن يتنعموا بالسلام الذي حرمنا منه منذ أجيال، فلماذا لا تقربوا المسافات وتختصروا الزمن، فكل وقت ضائع يطيل أمد الصراع..؟ أعيد وأكرر وأقول، بأننا بحاجة لحلول عادلة كاملة شاملة بأسرع وقت ممكن ومرة واحدة وللأبد، فلتكن كلمتنا واحدة ويدنا بيد بعض، ولنتحمل المسؤولية التاريخية ولنعط السلام فرصته الأخيرة.
وأختم بأقوال من الإنجيل والقرآن تبرهن على أن الجنوح إلى السِلم أفضل في كثير من الأحيان، فالسيد المسيح يُعطي هذا المثل: "أيُّ ملكٍ يسيرُ إلى مُحاربةِ ملكٍ آخر، ولا يجلسُ قبل ذلك فيفكر ليرى هل يستطيع أن يلقى بعشرة آلاف من يزحف إليه بعشرين؟ وإلا أرسل وفداً، ما دام الملك بعيداً عنه، يسأله عن شروط الصلح" (لوقا 14/31-32). وصحيح أنه مكتوب في القرآن الكريم "فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ" (محمد 35)، ولكنه يقول أيضاً: "وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الأنفال 61). وهناك دعوة شاملة للدخول في السلم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" (البقرة 208). وأخيراً، يقول سفر الجامعة: "لكلِ أمرٍ أوان ولكلِ غرضٍ تحت السماء وقت: للقتل وقت وللمداواة وقت، للهدم وقت وللبناء وقت... لرمي الحجارة وقت ولجمع الحجارة وقت.. للحب وقت وللبغض وقت، للحرب وقت وللصلح وقت" (3/1-9)، ألم يحن وقت كسر دائرة العنف الجهنمية يا سادتي الكرام؟
* كاهن رعية العائلة المقدسة في رام الله
نقلا عن موقع أبونا
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net