أسل ذيابات من الزرازير: قصة قصيرة وموسم الحصاد
ما هو الأمل.. إن هو إلاّ رجاء يراودنا ، وما هم الحلم.. إن هو إلاّ بناء للمجهول ، وهو منذ سنين كاللقيط بين الاثنين ، يأمل دون فائدة ويعيش في ظل أحلام ضائعة !! يذكُر أن المطر كان غزيرا ً ذلك المساء ، وهو واقف بجانب نافذته يفكر بشدة ، كم مضى على عمله في الحقل مع والده ، وفي كل سنة يعدهُ والده بأنها آخر سنة ، وأن السنة القادمة ستكون في الجامعة بإذن الله تعالى ، كم مضى على تلك الأحلام التي بناها ، كيف سيرتاد الجامعة ، من سيرافق ؟ ، بنى الكثير من الأصدقاء والأحداث في مخيلته ، لكن دون جدوى !! لا يجد من يضمه ، من يمسح دموعه ، سوى الليل يُلَفحهُ بظلامه ! لم يعد في ربيع عمره ، فهو الآن رجل يمشي الى الثلاثين ، ابناء جيله اما متزوجون او اباء او في أرقى الوظائف والاعمال ، وأين هو من كل هؤلاء !! هو ما زال يمضي الليل رسما ً لمستقبله ، مستقبله تماما ً كنهاية السرداب ، ليس فيه وضوح ولا يستطيع رؤيته ! فكفاه ُ احلاما ً هذه الليلة ، عليه ان يرقد في ظل السماء علّ ضياء الصبح وعطره يمكنان من انقاذه !! لكن ماذا يعني له الصباح التالي بحق السماء ؟!! ، فهو ككُل الصباحات المتتالية ، فيه يخرج مع اشراقة الشمس الى الحقل برفقة والده ، ويرقب من تحت حاجبيه " سُمية " ، ابنة الجيران ، التي تذهب كل يوم الى جامعة حيفا ، سمية تصغره ُ بتسع سنوات ، وأين هو من سمية واترابها ، صحيح ان سمية لم تتكبر كثيرا عند دخولها الى الجامعة ، لكنها لم تعد تقول " صباح الخير " عندما تمر بجانب حقلهم ، فيأخذ والده يسبّ ويشتم أهلها كلما مرّت ، اهلها اللذين " ما عرفوش يربوها وما علموهاش تقول مرحبا ، ولاّ البنات محلهن عند الجلي والمسح مش على الشوارع وبالجامعات " !! وكلما أعاد والده الكرّة في كل صباح تمُر به ، " ينْسَم بدنُه " ويتمنى لو كان مكان سمية ، فلا داعي بأن تبادر بالتحية ، وليس من المهم أي موضوع هو الذي تدرسه ، فيكفي انها " ابنة الجامعة " !! وفي كل مرة يراوده هذا التفكير يستغفر ربه ويعد نفسه امام الله بأنه لن يتكبر على مخلوق ولن يتباهى على كائن عندما سيدخل الى الجامعة !! كلما رمى بذرة في ارض الحقل ، او مشى خطوة على تراب الطفولة ، تخطر في ذهنه بعض ذكريات مقاعد الدراسة ، فيذكر انه كان دائم التنافس مع باسل – أخو سمية – على المرتبة الأولى ، وكثيرا ما كان يتغلب على باسل ، فربما لهذا السبب باسل لا يستلطفه ولم يشأ أبدا ً أن يكونا اصدقاء !! يذكُر ايضا ً انه كان " الأكثر تميزا ً " في موضوع الكيمياء من بين جميع ابناء صفه ، هكذا اخبره مرة ً الاستاذ ابو عيّاش مدرّس الكيمياء ، الله يرحمه ! ولكن لن ينسى ابدا ً ما حصل معه في حفلة التخرج من المدرسة الثانوية ، فذهب يومها مُهَندم ببذلة قد ابتاعها له أبوه من سوق الناصرة ، في تلك الايام كانت تساوي ما يقارب الأربعمائة شاقل ، كانت البذلة من قميص أبيض وفوقه " جاكيت " سوداء و" بنطال " أسود رسمي ، مثل " بناطلين الدكاترة " ، هكذا أخبره ُ أبوه ُ يومها " يخزي العين يابا طالع بهالبنطلون مثل الدكاترة ، وبعدين شوف ، هاي أغلى بدلة بكل سوق الناصرة ، فش حدا لابس أغلى منها " ، آه ٍ آه لو علِمَ أبوه يوما ً أن باسل قد أحضر له عمه بذلة بأربعمائة دولار من أمريكا ، وبأن فتحي قد اشترى قميصا ً بخمسمائة شاقل ، هذا فقط القميص ، ناهيك َ عن بقية البذلة وزملائه الآخرين . لكن عندما ذهب إلى حفلة التخرج أخبره ُ باسل بأن بذلته من " سنة جدّي " وعكّر مزاجه طوال الحفل ! باسل اليوم في أمريكا يعمل برفقة عمه ، وأخته ما زالت تجلب الأفكار الماضية إلى ذاكرته كلما مرّت ، وهو ما زال يعيش على أمل الانطلاق من هذا الأسر ، الانطلاق إلى الحريّة خارجا ً ، إلى الجامعة ، وما زال يعيش على وعود والده المتكررة في كل عام ، تماما ً كموسم الحصاد !!
ما هو الأمل.. إن هو إلاّ رجاء يراودنا ، وما هم الحلم.. إن هو إلاّ بناء للمجهول ، وهو منذ سنين كاللقيط بين الاثنين ، يأمل دون فائدة ويعيش في ظل أحلام ضائعة !! يذكُر أن المطر كان غزيرا ً ذلك المساء ، وهو واقف بجانب نافذته يفكر بشدة ، كم مضى على عمله في الحقل مع والده ، وفي كل سنة يعدهُ والده بأنها آخر سنة ، وأن السنة القادمة ستكون في الجامعة بإذن الله تعالى ، كم مضى على تلك الأحلام التي بناها ، كيف سيرتاد الجامعة ، من سيرافق ؟ ، بنى الكثير من الأصدقاء والأحداث في مخيلته ، لكن دون جدوى !! لا يجد من يضمه ، من يمسح دموعه ، سوى الليل يُلَفحهُ بظلامه ! لم يعد في ربيع عمره ، فهو الآن رجل يمشي الى الثلاثين ، ابناء جيله اما متزوجون او اباء او في أرقى الوظائف والاعمال ، وأين هو من كل هؤلاء !! هو ما زال يمضي الليل رسما ً لمستقبله ، مستقبله تماما ً كنهاية السرداب ، ليس فيه وضوح ولا يستطيع رؤيته ! فكفاه ُ احلاما ً هذه الليلة ، عليه ان يرقد في ظل السماء علّ ضياء الصبح وعطره يمكنان من انقاذه !! لكن ماذا يعني له الصباح التالي بحق السماء ؟!! ، فهو ككُل الصباحات المتتالية ، فيه يخرج مع اشراقة الشمس الى الحقل برفقة والده ، ويرقب من تحت حاجبيه " سُمية " ، ابنة الجيران ، التي تذهب كل يوم الى جامعة حيفا ، سمية تصغره ُ بتسع سنوات ، وأين هو من سمية واترابها ، صحيح ان سمية لم تتكبر كثيرا عند دخولها الى الجامعة ، لكنها لم تعد تقول " صباح الخير " عندما تمر بجانب حقلهم ، فيأخذ والده يسبّ ويشتم أهلها كلما مرّت ، اهلها اللذين " ما عرفوش يربوها وما علموهاش تقول مرحبا ، ولاّ البنات محلهن عند الجلي والمسح مش على الشوارع وبالجامعات " !! وكلما أعاد والده الكرّة في كل صباح تمُر به ، " ينْسَم بدنُه " ويتمنى لو كان مكان سمية ، فلا داعي بأن تبادر بالتحية ، وليس من المهم أي موضوع هو الذي تدرسه ، فيكفي انها " ابنة الجامعة " !! وفي كل مرة يراوده هذا التفكير يستغفر ربه ويعد نفسه امام الله بأنه لن يتكبر على مخلوق ولن يتباهى على كائن عندما سيدخل الى الجامعة !! كلما رمى بذرة في ارض الحقل ، او مشى خطوة على تراب الطفولة ، تخطر في ذهنه بعض ذكريات مقاعد الدراسة ، فيذكر انه كان دائم التنافس مع باسل – أخو سمية – على المرتبة الأولى ، وكثيرا ما كان يتغلب على باسل ، فربما لهذا السبب باسل لا يستلطفه ولم يشأ أبدا ً أن يكونا اصدقاء !! يذكُر ايضا ً انه كان " الأكثر تميزا ً " في موضوع الكيمياء من بين جميع ابناء صفه ، هكذا اخبره مرة ً الاستاذ ابو عيّاش مدرّس الكيمياء ، الله يرحمه ! ولكن لن ينسى ابدا ً ما حصل معه في حفلة التخرج من المدرسة الثانوية ، فذهب يومها مُهَندم ببذلة قد ابتاعها له أبوه من سوق الناصرة ، في تلك الايام كانت تساوي ما يقارب الأربعمائة شاقل ، كانت البذلة من قميص أبيض وفوقه " جاكيت " سوداء و" بنطال " أسود رسمي ، مثل " بناطلين الدكاترة " ، هكذا أخبره ُ أبوه ُ يومها " يخزي العين يابا طالع بهالبنطلون مثل الدكاترة ، وبعدين شوف ، هاي أغلى بدلة بكل سوق الناصرة ، فش حدا لابس أغلى منها " ، آه ٍ آه لو علِمَ أبوه يوما ً أن باسل قد أحضر له عمه بذلة بأربعمائة دولار من أمريكا ، وبأن فتحي قد اشترى قميصا ً بخمسمائة شاقل ، هذا فقط القميص ، ناهيك َ عن بقية البذلة وزملائه الآخرين . لكن عندما ذهب إلى حفلة التخرج أخبره ُ باسل بأن بذلته من " سنة جدّي " وعكّر مزاجه طوال الحفل ! باسل اليوم في أمريكا يعمل برفقة عمه ، وأخته ما زالت تجلب الأفكار الماضية إلى ذاكرته كلما مرّت ، وهو ما زال يعيش على أمل الانطلاق من هذا الأسر ، الانطلاق إلى الحريّة خارجا ً ، إلى الجامعة ، وما زال يعيش على وعود والده المتكررة في كل عام ، تماما ً كموسم الحصاد !!
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب.
لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.co.il