29° الناصرة $دولار أمريكي 2.97 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 خاطرة

أحد الشعانين: حين يهتف القلب بما لا يثبت عليه

تحتفل الكنيسة الشرقية يوم الأحد. 5 نيسان بأحد الشعانين، لا بوصفه ذكرى عابرة في الروزنامة الطقسية، بل كمرآةٍ روحية تكشف الإنسان في لحظة انكشافه العميق أمام ذاته. هو عيدٌ يقف على تخوم الفرح والحزن، حيث تتعانق الهتافات مع الظلال، ويتجاور الاستقبال مع النكران، في مشهدٍ يكاد يختصر الحكاية البشرية بكل تناقضاتها.

ر م رانية مرجية خاطرة نُشر: 03/04/2026 الساعة 12:11
حجم الخط
أحد الشعانين: حين يهتف القلب بما لا يثبت عليه
أحد الشعانين: حين يهتف القلب بما لا يثبت عليه · تصوير: كل العرب

تحتفل الكنيسة الشرقية يوم الأحد. 5 نيسان بأحد الشعانين، لا بوصفه ذكرى عابرة في الروزنامة الطقسية، بل كمرآةٍ روحية تكشف الإنسان في لحظة انكشافه العميق أمام ذاته. هو عيدٌ يقف على تخوم الفرح والحزن، حيث تتعانق الهتافات مع الظلال، ويتجاور الاستقبال مع النكران، في مشهدٍ يكاد يختصر الحكاية البشرية بكل تناقضاتها.

في دخول السيد المسيح إلى أورشليم، لا يتجلّى الحدث كتاريخٍ فحسب، بل كحقيقة وجودية نافذة: الجموع التي تهتف «أوصنا» لا تدرك تمامًا ما تهتف له، وكأن الصوت يسبق الوعي، والانفعال يسبق الحقيقة. هنا ينكشف الإنسان ككائنٍ هشّ، سريع الاشتعال وسريع الخفوت، يحمل في داخله قابلية مزدوجة للإيمان والإنكار معًا.

سعف النخيل، الذي يُرفع علامة للنصر، يبدو في عمقه أكثر التباسًا مما نظن؛ فهو رمزٌ لانتصارٍ لا يشبه مقاييس العالم، ولمجدٍ يمرّ عبر الانكسار. إنّه علامة احتفال، لكنه أيضًا علامة عابرة، تذبل سريعًا كما تذبل القناعات التي لم تُختبر. كأن الشعانين يهمس في وعينا: ليس كل ما يُرفع عاليًا يبقى، وليس كل هتافٍ جذره إيمان.

أما أورشليم، فلا تعود مجرد مدينة، بل تتحوّل إلى رمزٍ داخلي: إلى تلك المساحة الخفيّة في الإنسان التي تستقبل الحقيقة حين تُشبه توقّعاته، وتتنكّر لها حين تطالبه بالتغيير. فكم من “أورشليم” في داخلنا تفتح أبوابها للحظة، ثم توصدها عندما يصبح الثمن وجوديًا؟

تبلغ المفارقة اللاهوتية في الشعانين ذروتها هنا: ذاك الذي استُقبل بالهتاف، قبِل هذا الهتاف وهو عالمٌ بهشاشته، ومضى نحو درب الآلام دون أن يساوم على الحقيقة أو يطلب ضمانةً لثبات القلوب. في هذا القبول يتجلّى سرٌّ عميق: الإله لا ينتظر من الإنسان كمالًا، بل صدقًا — حتى وإن كان صدقًا متعثّرًا.

الشعانين، إذًا، ليس عيد استقبال بقدر ما هو امتحان وعي. إنّه يسائلنا بحدّة: هل نهتف لأننا أدركنا، أم لأننا انجرفنا؟ هل نحمل السعف كعلامة إيمان حيّ، أم كعادةٍ ورثناها دون أن نسكن معناها؟

ولعل السؤال الأكثر إيلامًا يكمن هنا: كم مرّة استقبلنا الحقيقة بفرح، ثم تخلّينا عنها حين طالبتنا بتغييرٍ حقيقي؟ كم مرّة كان هتافنا أعلى من التزامنا، وصوتنا أصدق من ثباتنا؟

بهذا المعنى، أحد الشعانين ليس بداية أسبوع الآلام فحسب، بل بداية انكشاف الإنسان أمام ذاته. هو اللحظة التي يتقاطع فيها الصوت مع الصمت، والإيمان مع التردّد، والحقيقة مع الخوف.

إنه عيد لا يكتمل في الشوارع، بل في الداخل؛ حيث لا تُقاس الهتافات بعلوّها، بل بقدرتها على البقاء.

وهناك فقط… يبدأ الإيمان الحقيقي

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد