أبواب …8 - بقلم: عمر رزوق
باب القُنّ
باب القُنّ
بيضة دجاجة وديك
مالي وللديك يرعاني وأرعاه أمسى كلانا يخاف الذبح عرقاه
حدّثنا طارق بن سندان , في متاهة الزمان والمكان , بحالة فخر وكأنها طيران , قال : حدّثنا أصغر الإخوان , حكاية من أصفهان , نقلها إلى بلاد الشام التجار والعربان , قال : اسمعوا وعوا بالعقل والعينين . فقال :
يزعم المأفوف داروين بعد أن لفّ ودار وينّ ( عيب) في كلامه أن الحياة " صراع " وأن البقاء للأقوى ـ للأغنى للأزعر وإن كان " كائنا من يكون" , ولا مكان للضعيف ـ الفقير وأن كان عالِما ـ لا مكان له في حياة لم يجعل نفسه فيها " ديكا" شرسا.
الحياة ليست حياة البشر فحسب , بل حتى الحيوانات , البقاء فيها للأقوى , وإلا كيف أصبح الأسد ملكا للغابة ؟! وكيف أصبح الأرنب أرنبا ؟!
إذا كانت الأرض في نظر العولمة قرية صغيرة , فإنها في نظرتها الأخرى والأكثر واقعية , غابة نموذجية تتصارع فيها الثيران والديكة عل حب القمح والشعير وعلى الرّف القنّ المرتفع العالي .
أممممم !
ولأن الديك كما يزعم جدنا الجاحظ , فيه منافع لا تعد ولا تحصى ولا تستقصى, لا تحصر ولا تقصر , فلا شك أن وراء تحيّزه للديك على الكلب ما وراءه مما عَلِمَهُ من عِلْمِهِ وجَهِلَهُ من جَهْلِهِ .
وأنا ـ مستعيذا بالله تعالى من شرّ الأنانية وأخواتها بالرضاعة , التلوينية والشللية والإنبطاحية , أزعم أن الديك كائن رمزي , حتى وإن كان ابن دجاجة بيّاضة . ولدينا ديوك كثيرة في حياتنا اليومية السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية , حتى الثقافة لم تسلم من الديوك ...؟!( لنا قول في هذا , سنسعفكم به إنشاء الله تعالى ) ومن هذه الديوك التي حظيت بشهرة واسعة , أكثر من هيفا ونجوى :
ديك الجن :
قاتل الله الجن التي لم تدع للبشر شيئا إلا سايرتها فيه وكان لها يد في كل مآسيه, فاتخذت دجاجا وديكة , وديك الجن ( حمصي , عربي ) من المضحك المبكي ( ثقافيا ) أن الناس كانوا يدفعون دم قلوبهم وأغلى نقودهم للحصول على نتف متفرقة من شعره , أو قرطاس من ورقه. وتزعم الأساطير ـ وهي كائنات تستوطن في عقول بعض البشر ـ أنه أوقد بحبيبته وأليفته وحليفته النار فاحترقت حتى تفحّمت وأصبحت رمادا فعجنها وشكّلها عل هيئة الكأس وشواه فتحجّر وشرب به خمرا ..
ديك " تشني " وديك فرنسي :
وهذا قصته يعرفها لفيف من المراهقين , والذين يحبون التسكّع في مطاعم التشيكن باجيت والماكدونالدز والشاورما , ويحبون أن يشاهدوه وهو يلتهم ـ الحمام العربي , المهاجر , ولأن الأسطورة الفرنسية أضحت توظفه في ميدان ـ الركل ـ ولكن يبدو أن له علاقة بديك آخر مغرور سيأتي الكلام عنه لاحقا .
وإن كان الديك الفرنسي يتقن الركل و " الشوت " ولا يتقن الأذان " فإنه يستخدم هذه السياسة في مواطن كثيرة وليس على الساحة الخضراء فحسب .
الديك الرومي :
يُضرب به المثل بالغرور والعنجهية و " شوفة النفس " وبما أنه رومي فإنه ولا شك من " بني الأصفر " . وهم ـ وأعوذ بالله من أل " هم " ـ يحبّون التقاط المخبوء , من الذهب الموبوء , والشعير ذو الساق الطويل والحَب القصير تحت الأرض , ولأنهم مغرورون لما يملكون من ضخامة الأجسام , وممشوق القوام ورجاحة العقول , في الفعل والمفعول , فإن أصحاب الدفين المدفون لا يستطيعون ردّهم , بل يتحوّلون بفعل عجيب و"عمل " غريب , إلى دجاج وديع , للأوامر مطيع , لا يضل ولا يضيع .
وهذا أمر معلوم , للعالَم وللعموم , بل إن جدّتي , وهي حكيمة معمّرة , وعن حوادث الماضي مخبّرة , تزعم عفا الله تعالى عنها , أن دجاجنا ديوك وديوكنا دجاج , وكانت حين تقول لنا هذا تشير بيدها بحركة دائرية إلى وسط البلدة. والله أعلم بمرادها , فقد سكتت قبل أن تؤوّل لنا أقوالها , وإن كنت أشعر أنها كانت تكره الرجال , لما نالها من مشاعيب ديكنا الأكبر , عليه رحمة الله تعالى , بل وكانت تزعم مقسمة أن ديك حضيرتها الفريدة كان يبيض كالدجاج ..... وأي بيض , منه الأصفر والأكثر, مرقرق أخضر.
الديوك العربية :
الديوك العربية دجاج أمام ديوك الروم ونعام , نسور بين بعضهم ولئام ,
أسد عليّ وفي الحروب نعامة خرقاء تجفل من صفير الصافر
إن هذه الديوك العربية مخلوقات عجيبة , وموجودات غريبة , تدّعي الغيرة وتتناقر , تتقاتل مع بعضها قتالا عنيفا وتتفاخر , كل ذلك من أجل " دجاجة " ولكنها بقدرة الواحد القهار , تكف عن الشجار , وتتوقف عن التنقير والنقار , حين يكون الخصم ديك رومي أو " راكل شوتاً " فرنسي يسلّمون زمام الدجاجة , وكأنه لم يكن لهم بها حاجة ـ ما هذه السماجة ؟! ـ ويظلّون في حيصٍ وبيص , وقيل حيضٍ وبيض وهو الأصح والأصوب عند المحققين الباحثين .
وقد زعم المؤرخون الباحثون في كتاب " كشف البواطن من خفايا الدواجن البواسن " أن دجاجات العرب التي يمسك بتلابيبها ديوك رومية لأكثر من أن تحصى , ومن العجيب أن أحد الخبثاء ادّعى دعوة لا أشك في بطلانها لأنه لم يقدّم دليلا قاطع , ولا برهانا ساطع , مفادها أن بعض الديوك العربية تنبطح أمام ديوك الروم , وهذا الزعم لعمري عارٍ كالديوك العربية عن الصحة , بمعنييها .
تتقن الديوك العربية فن الصياح , كالبلبل الصدّاح , خاصة , تنكّر هذه الديوك الموبوءة بلباس آخر , فتتحوّل إلى كائنات عجيبة تسمعها ولا تراها وتعمل من الحبة دجاجة . فهي من أجل الدجاج الرعية ترخّص الغالي والنفيس .
قد زعم الجاحظ مرة أخرى , أن الديوك العربية تلفظ الحب للدجاج , حبا وإكراما وأن ديك جبيهة يلتقط الحب من مناقير دجاجه . وكان يُرى الديك العربي خير منه. قلت : أعمى الله عدوّي , ديك جبيهة ديك عاقل , يقدّم العقل على كذبة الحب , بضم الحاء , وتحفظ قول المتنبي :
إلام طواعية العاذل ولا رأي في الحب للعاقل
فالحب بالفتح خير من الحب بالضم , فماذا أطعم الحب بضمته , وهل أشبع بطن جائع بلوعته . رحم الله أبا بحر , فلم يكن متلولبا طيّع , وإلا لقال بقولنا وضرب بسيفنا وما حاد عن مذهبنا .
هذا نبض مختصر عن الديكة
سنكتب إن شاء الله تعالى غير هذا , سنسعفكم به
والله يسدد أقوالنا وأعمالنا ويكفينا شرّ ديك الروم
فقد بتّ أخافه .