أسامة جمال الدحدوح- كيف نحب في شهر رمضان؟
أسامة جمال الدحدوح في مقاله:
رمضان جاء ليمحق من طريق المؤمنين كل العلائق والعوارض والأسباب التي يمكن أن تقف عقبة في انتشار ثمار المحبة بين الصائمين
هذا الشهر ليس كأي شهر والمحبة فيه ليست كالمحبة في اي شهر اخر انها هنا تؤتي ثمارها الحلوة الشهية الطيبة كل الوقت وبكل اشكالها واصنافها
ما المحبة إلا طائر رحَّال ، قوي الجناحين ، يرتاد حقول القلوب المفعمة ، مثله ، بكل قيم الجمال ، والخير ، والسمو . فما الإنسان الحر ، إلا كهذا الطائر ، الذي يحلق في أفاق الوجود ، بحثا عن ارج عاطرة من الحياة النبيلة . في رمضان يمتطي طائر المحبة متون المشاعر ، فيطير بها ، على اجنحة نسائمه الايمانية الندية ، الى واحات من التسامح ، والخيرية ، والمبادرة الى العفو ، وليونة الجانب ، ومقابلة الاخرين بوجه بشوش ، وثغر مبتسم ، ونفس طيبة تُقبل على الورى كما يقبل الغائب العائد على محبيه واعزائه ، وفي المقابل ، يطوف بهم ، طائر المحبة ، بعيدا بعيدا عن مقابر الغضب ، وسجون العصبية ، والاعتداد الباطل بالنفس ، والافتخار الكاذب بمنجزات الاخرين ، نائيا بهم عن صفات سلبية مذمومة ، ومذموم من يتصف بها ، كجهامة الوجه ، وفظاظة القول ، وغلاظة المعاملة .
نحن عندما نمشي بمحبة إلى أعمالنا ، ونصلي بمحبة في محاريبنا ، ونزور بمحبة أرحامنا . ونحن عندما نتراجع عن الإثم في كافة أوقاتنا بمحبة ، وننزل عن مسرح الغضب الذي يعصف بنا في أوقات الشدة والانفعال بمحبة ، ونقطف بل نخلع بمحبة ثمرة الحقد اليانعة في تربة قلوبنا بسبب اروائنا لها ، ساعة تكًّون سحائب الطمع في سماء أيامنا وليالينا ، بماء الأنانية ، وحب الذات ، ونسيان حقيقة أنفسنا ، وما للآخرين علينا من حق وواجب ، ونحن عندما نرتب مهماتنا ، وواجباتنا ، وعلاقتنا ، بالتناغم الرائع ، والتوافق البديع ، مع طواف طوالع المحبة ، على أرواحنا ، وقلوبنا ، عندها فقط ، تُضئ فتوحات المحبة في أعماق الجسد ، والوجدان ، والروح ، فتنعكس ظلالات الجسد على مرآة الحياة بأنفاس الأعمال العابقة ، والواجبات القويمة ، والسلوكيات المستقية ، وتشرق طموحات الوجدان على صفحة العمر ، بأناشيد زامرة ، تمتزج في كيمائها الآسرة الساحرة ، فيوضات من كنوز العطاء الإنساني الفتي المقدس ، وساعتها ، تستحيل المتاعب التي طالما أوجعتنا بهمومها إلى راحة تتمدد على مساحات مديدة من أحاسيسنا ، وتنقلب الآلام التي كنا ننقم عليها ، ونتأوه بسببها ، ونعتقد أن أنفسنا سجناء أسوارها ، إلى نعمة تحفزنا على مزيد من الصبر والعطاء بقوة وفتوة وكرامة . إن المحبة تبر القلوب ، وشهد الألسنة ، وفاكهة السلوك ، ولطيفة الأخلاق ، بها يزول عماء البصيرة ، وتُقمع أدواء السريرة ، وتسمو فضائل النفس فتشرق على من امن بها عقيدة وعملا ، بأشعة المُنى ، والسعادة ، والسرور .
لقد جاء رمضان ، ليمحق من طريق المؤمنين ، كل العلائق ، والعوارض ، والأسباب ، التي يمكن أن تقف عقبة في انتشار ثمار المحبة بين الصائمين ، ففتح على حقولها مصبات من نهر قيم الدين الإسلامي الحنيف في التعامل بين المؤمنين الصائمين وغيرهم ، فأثمر غصن الحديث النبوي الشريف ( فليقل إني صائم ) لمن تعرض للسب والشتم ، ثمرة المحبة الفورية العاجلة التي لا تترك أثرا للضغينة في القلب بين طرفي المشادة ، فيتسامحا على الفور ، وُيعرض احدهم على الاخر بضاعة الصفح والغفران ، كما أينع غصن القول النبوي الشريف ( فخيركم الذي يبدأ بالسلام ) بثمرة المسارعة ، بين قطبي المناحرة ، الى ياسمين العناق ، وجلنار التلاق ، ومن ثم طي صفحة الشقاق الى الابد ، وتفتحت اكمام ورد الهدي القراني " و اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " على مسك القول الرحيم ، مع كل من طعن على المؤمنين الصائمين بقول ، او فعل لا يصدر الا من لئيم ، واشرقت شمس التوجيه المحمدي الشفيف " اقربكم مني مجلسا يوم القيامة احاسنكم اخلاقا " على شواطئ مدرسة تربوية ، متينة الاركان ، راسخة البنيان ، في قلوب اهل الايمان الحقيقي من الصائمين المغردين بمثل هذه التوجيهات الربانية والنبوية على حد سواء . نعم ، هذا الشهر ليس كأي شهر ، والمحبة فيه ليست كالمحبة في اي شهر اخر ، انها هنا ، تؤتي ثمارها الحلوة ، الشهية ، الطيبة ، كل الوقت ، وبكل اشكالها واصنافها ، غير متأثرة بفصل دون فصل ، لأن بقية الفصول الاربعة ، ولدت من فجر هذا الشهر ، فهي تسعى اليوم ، لتثبت ولائها ، وانتمائها ، لسيد الشهور ، فلا تدع بستانا في القلب ، ولا حقلا في الروح ، ولا جنة في الوجدان ، الا نفحت فيها جميعا ، من لقاحها الخصيب ، بكل معاني الرحمة والتسامح والعفو والخلق البديع الرفيع .