مرجعيات النزعة العدائية في الفكر الاستيطاني/ بقلم: عمر أمين مصالحة
عمر أمين مصالحة في مقاله: المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية الذي أقامته "غوش إيمونيم" تحول إلى أحد أهم مصادر التأثير على إسرائيل وسياساتها يتناسى التلمود الفرق بين الأخيار والأشرار من الأغيار رغم أنه تمييز أساسي في العقيدة اليهودية نفسها بل إن التلمود يطلب أحيانًا من اليهود أن يستخدموا مقياسين أخلاقيين: أحدهما للتعامل مع اليهود، والآخر للتعامل مع غير اليهود
عمر أمين مصالحة في مقاله: المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية الذي أقامته "غوش إيمونيم" تحول إلى أحد أهم مصادر التأثير على إسرائيل وسياساتها يتناسى التلمود الفرق بين الأخيار والأشرار من الأغيار رغم أنه تمييز أساسي في العقيدة اليهودية نفسها بل إن التلمود يطلب أحيانًا من اليهود أن يستخدموا مقياسين أخلاقيين: أحدهما للتعامل مع اليهود، والآخر للتعامل مع غير اليهود
ينادي التيار الديني الصهيوني الممثل اليوم بحزب"البيت اليهودي" الذي هو امتداد لحزب "المفدال" التاريخي، الذي تأسس من توحيد حركتي "هبوعيل همزراحي" و "همزراحي" الدينيان القوميتان واللتان كانتا شريكتان في تأسيس الحركة الصهيونية، ينادي في الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، على اعتبارها جزءًا لا يتجزأ من "أرض اسرائيل"، وقد أخذ هذا التيار على عاتقه المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، بدعم حكومات اسرائيل المتعاقبة منذ عام 1967.
لكن، بعكس ما أمل هذا التيار والمؤسسة الاسرائلية برمتها، لم تفلح الإجراءات العنصرية وكل اساليب التضييق في تشريد الفلسطينيين من أرضهم، بل العكس، تزايد عدد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وتضاعف ثلاث مرات وأكثر منذ عام 1967 وحتى الآن. شكل الوجود الفلسطيني مصدر تحدٍ كبير لهذا التيار وأهدافه، فمن ناحية لا يمكنه أن يدعو إلى ضم الأراضي المحتلة لإسرائيل على اعتبار أن هذا يعني منح الفلسطينيين الجنسية الإسرائيلية، لذا فقد أخذ قادة التيار الديني الصهيوني يدعون للتخلص من الفلسطينيين عبر تشجيعهم على مغادرة الأراضي المحتلة. أيد الحاخام تسفي كوك والذي يعتبره المستوطنون المرجعية في مضايقتهم للعرب، أيد أفكار مئير كهانا الذي كان يدعو لطرد الفلسطينيين بالقوة عبر تنظيم حملات تهجير قصرية.
وهاجم التيار الديني الصهيوني المبادرات التي تدعو للحوار مع الفلسطينيين، حيث رأت قياداته في هذه الدعوات عقبة أمام مشروعها الاستيطاني، وحرص التيار على تصوير الفلسطينيين بشكل خاص والعرب بشكل عام على أنهم غير آدميين، وأن لا يجوز التحدث معهم حول تسويات سياسية، لأنه لا يجوز التنازل عنه من أراضٍ اسرائيلية، علاوة على أن قادة هذا التيار دعوا دومًا لمعاداة الفلسطينيين. ودعى حاييم تسوريا، أحد منظري التيار الى كره الفلسطينيين لأن من حق اليهودي إظهار الكراهية والعداء تجاه أعدائه. وحرص التيار الديني الصهيوني على أن يسهم الجهاز التعليمي في المستوطنات في تكريس الصورة النمطية للفلسطينيين والعرب كما ترغب فيها الحركة، حيث حرص المدرسون في المدارس داخل هذه المستوطنات على تلقين الطلاب بأنه لا يمكن الثقة بالعربي.
لقد تحول المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية الذي أقامته "غوش إيمونيم" إلى أحد أهم مصادر التأثير على إسرائيل وسياساتها. وتحاول حكومات اسرائيل المتعاقبة تحقيق حلم التوسع والاستيطان من خلال الحركات الإستيطانية، بهدف المحافظة على البعد الأيديولوجي للديانة اليهودية المتمثل في العقيدة والدين، بالرغم من أن الحركة الصهيونية قائمة على البعد السياسي بالدرجة الأولى، إلا أن التركيز على هذا البعد، جاء لتعميق الربط الروحي والعقائدي ما بين المواطن الإسرائيلي بأرضه ووطنه، ومزج ذلك بتلك الأساطير المتمثلة بالوعود الإلهية للشعب المختار، سيزيد من عمق تمسك الإسرائيلي الصهيوني ودعمه لحكومته في هذا التوجه، بل وسيكون محفزا لليهود من مختلف دول العالم للعودة إلى فلسطين من جديد، وقد لعب الدين الكثير في تاريخ الديانة اليهودية قديما وحديثا، لدرجة أن الصهيونية قد نجحت في استغلال هذا البعد بدرجة كبيرة جدا في سياساتها التوسعية.
أما البعد السياسي والقومي لهذه الظاهرة فإنه يتمثل في أنّه يلبي مطالب واسعة من القوى السياسية الفاعلة في إسرائيل، وخصوصا القوى الدينية منها والصهيونية السياسية، والتي طالما ظلت تنادي بتوسيع مساحة اسرائيل ليتحقق البعد القومي والسياسي لإسرائيل التاريخية، وان بدا ذلك بتوسع داخلي للاستيطان، بالرغم من أن هذا البعد لا يختلف كثيرا عن البعد السابق المتمثل في عقيدة الوعد وأسطورة الشعب المختار، فهنا لا نستطيع أن نفصل كثيرا ما بين السياسة والدين في قاعدة الأيديولوجيا الاستيطانية.
انطلاقا من هذا الوعد الإلهي، يقول الكاتب الفرنسي روجيه غارودي: "يذهب قادة الصهيونية وحتى الملحدين منهم إلى القول: بان الرب قد وهبنا ارض فلسطين، وذلك دون التساؤل عن طبيعة هذا الوعد، او ما ينطوي عليه الميثاق المعقود مع الرب، او ما إذا كانت هناك شروط لذلك الاختيار الإلهي"، وهو ما أكده رفض القيادة السياسية الإسرائيلية لقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، والذي اعتبرته تلك القيادات السياسية تقسيما للوعد الإلهي المتمثل في كامل الأراضي الفلسطينية وما حولها.
يفسر اليهود المتشددين وقادة المستوطنين سفر يشوع، الاصحاح الثالث والعشرون، تفسيرًا نصيًا، ويتصرفون على انهم بنو إسرائيل الذين خرجوا من مصر للتو، ويغزون الأرض من الفلسطينيين عنوة استنادًا لما ذكر في سفر يشوع :" 5. والرّبُّ إلهُكُم هوَ الذي يَهزِمُهُم ويَطرُدُهُم مِنْ أمامِكُم، وتَملِكونَ أرضَهُم كما قالَ لكُمُ الرّبُّ إلهُكُم. 6.فتَشدَّدوا في أنْ تَحفَظوا جميعَ ما هوَ مكتوبٌ في كتابِ شريعةِ موسى وتَعمَلوا بهِ ولا تَحيدوا عَنهُ يَمينًا ولا شَمالًا. 7. ولا تَختَلِطوا بهذِهِ الأمَمِ الباقيةِ معَكُم، لا تَذكُروا اَسمَ آلِهَتِهِم ولا تَحلِفوا بِها ولا تَعبُدوها ولا تَسجدوا لها، 8. بل بالرّبِّ إلهِكُم تَتمَسَّكون كما فَعلتُم إلى هذا اليومِ. 9. والرّبُّ إلهُكُم طرَدَ مِنْ أمامِكُم أُمَمًا عظيمةً قويَّةً ولم يَصمُدْ أمامَكُم أحدٌ إلى هذا اليومِ".
لا يوجد موقف موحد من الاغيار في الشريعة اليهودية، فهي بوصفها تركيبا تاريخيًا تراكميًا، تنطوي على نزعة توحيدية أممية واخرى حلولية قومية، وتنص الشريعة اليهودية على ان الأتقياء من كل الامم سيكون لهم نصيب في العالم الآخر، كما هناك كتابات دينية يهودية تشير الى حقوق الاجنبي وضرورة اكرامه ومعاملته بالحسنى، وهناك أيضا النزعة الحلولية المتطرفة، التي ترتكز على التمييز الحاد والقاطع بين اليهود كشعب مختار أو الشعب المقدس الذي تحل فيه روح الاله من جهه، مقابل الشعوب الأخرى التي تقع خارج دائرة القداسة من جهه اخرى، فقد جاء في سفر (اشعياء- اصحاح 615-6): "ويقف الاجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم. اما أنتم فتدعون كهنة الرب تسمون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الامم وعلى مجدهم تتأمرون".
لقد ساهم الحاخامات في تعميق الاتجاه الانفصالي من خلال الشريعة الشفوية، فقد أعادوا تفسير حظر الزواج من ابناء الامم الكنعانية الوثنية، (سفر التثنية اصحاح7 3)، ووسعوا نطاقه بحيث اصبح ينطبق على جميع الاغيار دون تمييز بين الدرجات العليا والدنيا، وقد امتد الحظر واتسع حتى اصبح يتضمن منع مجرد تناول الطعام مع الاغيار، بل اصبح ينطبق أيضا على طعام اعده الغريب، حتى وان طبقت اثناء اعداده كافة القوانين والطقوس اليهودية.
إن مصطلح الشعب المختار، ترجمة للعبارة العبرية “هَعَم هَنبحار”، وهنالك معنىً آخر للاختيار، في عبارة مثل: "أتا بحَرتانو"، والتي تعني اخترتنا أنت، و"عم سجولاه"، أي الشعب الخلاصة أو "عم نحلاه" أي شعب الارث، ويؤمن الكثير من اليهود بانهم شعب الله المختار وان هذه المقولة لبنة اساسية في الفكر الديني اليهودي، وتعبير آخر عن النسج الحلولي الذي تشَكل داخل التركيب التراكمي للديانة اليهودية، والثالوث الحلولي مكوّنٌ من: "الإله، الأرض والشعب" فيحل الإله في الارض، لتصبح ارضًا مقدسة ومركزا للكون، ويحل في الشعب ليصبح شعبا مختارًا، وأزليا، ولهذا السبب، يشار الى الشعب اليهودي بانه "الشعب المقدس" و "عَم عولام" أي شعب الكون، و"عَم نيتسح"، أي الشعب الابدي، وقد جاء في سفر التثنية (الاصحاح 142): "لأنك شعب مقدس للرب الهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبا خاصا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الارض"، وتتواتر الفكرة نفسها في سفر اللاويين (الاصحاح20 24-26): "أنا الرب الهكم الذي ميزكم من الشعوب… وتكونون لي قديسين لاني قدوس أنا الرب. وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي "، ويشكر اليهود الاله في كل الصلوات لاختياره ولتفضيله الشعب اليهودي دون الشعوب الأخرى، ولاعطائهم التوراة علامة على التميز عن باقي الامم، ويخاطب الرب بني اسرائيل في سفر الخروج(اصحاح6 7): "واتخذكم لي شعبًا وأكون لكم الهًا" ويطلب الرب من موسى أن يخبر بني اسرائيل: "إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فإن لي كل الارض وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة" الخروج ( اصحاح195-6(.
يتناسى التلمود الفرق بين الأخيار والأشرار من الأغيار، رغم أنه تمييز أساسي في العقيدة اليهودية نفسها. بل إن التلمود يطلب أحيانًا من اليهود أن يستخدموا مقياسين أخلاقيين: أحدهما للتعامل مع اليهود، والآخر للتعامل مع غير اليهود ( بابا متسعيا 95 أ، وبابا كاما 113 أ). وقد جاء في التلمود أنه لا يصح أن يباع لليهودي الشيء الذي يحتمل فساده إن تُرك، ولكنه من الممكن أن يُباع لغير اليهودي، كما يُحرَّم على الطبيب اليهودي أن يعالج مريضاَ غير يهودي إلا لدرء أذى الأغيار.
(*) باحث في الديانة اليهودية ومؤلف كتاب التلمود- المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية. وكتاباليهودية- ديانة توحيدية أم شعب مختار.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net