بعد 3 سنوات من الحرب.. أزمة داخل الجيش الإسرائيلي: استنزاف متزايد ورواتب غير كافية
بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، تحولت أزمة القوى البشرية إلى أحد أبرز التحديات أمام الجيش الإسرائيلي، وسط تراجع الرغبة في مواصلة الخدمة وارتفاع الضغوط الأسرية والنفسية على الضباط والقيادات الميدانية
بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، تحولت أزمة القوى البشرية إلى أحد أبرز التحديات أمام الجيش الإسرائيلي، وسط تراجع الرغبة في مواصلة الخدمة وارتفاع الضغوط الأسرية والنفسية على الضباط والقيادات الميدانية
وفي تقرير إسرائيلي كشف عن تزايد المخاوف داخل الجيش الإسرائيلي من تداعيات الاستنزاف المتواصل الذي يطال أفراد الخدمة الدائمة، في ظل استمرار الحرب وتعدد ساحات المواجهة، بينما تحاول قيادة الجيش ووزارة المالية معالجة أزمة تتعلق بالرواتب وظروف الخدمة والقدرة على الاحتفاظ بالضباط والقيادات.
وتشير معطيات داخلية إلى أن آثار سنوات القتال المتواصلة لم تعد تقتصر على الجوانب العملياتية، بل امتدت بصورة واضحة إلى الحياة الأسرية والشخصية لأفراد الخدمة الدائمة، في وقت بات فيه الجيش يعتبر القوى البشرية موردًا لا يقل أهمية عن الأسلحة والطائرات والدبابات والذخائر.
رئيس الأركان يحذر من تأثير أزمة الميزانية
وفي ظل الخلافات المستمرة حول ميزانية الأمن، وجه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير انتقادات علنية إلى وزارة المالية، محذرًا من أن الضغوط المالية يمكن أن تؤثر على جاهزية الجيش.
وقال زامير خلال تقييم للوضع على عدة جبهات إن الجيش وأفراده يعملون تحت ضغط متواصل في مختلف الساحات، بينما يضطرون في الوقت ذاته إلى التعامل مع ما وصفه بـ«خزينة فارغة»، معتبرًا أن الوضع المالي الحالي ينعكس على جاهزية الجيش.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تحاول فيه المؤسسة العسكرية بلورة خطة متعددة السنوات، إلا أن التطورات المتسارعة في مختلف الجبهات تجعل إعداد خطة مستقرة وطويلة الأمد أمرًا معقدًا.
قيادات الصفوف الأمامية تحت ضغط غير مسبوق
وتبرز الأزمة بصورة أكبر لدى القادة الميدانيين، وفي مقدمتهم قادة السرايا ونواب قادة الكتائب وقادة الكتائب، الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من هيكل القيادة خلال العمليات العسكرية.
ومنذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول، أمضى هؤلاء فترات طويلة في الجبهات، وقادوا مئات الجنود في ظروف قتالية، واتخذوا قرارات مصيرية، بينما تحملوا في الوقت نفسه أعباء شخصية وأسرية وصحية كبيرة.
وبحسب المعطيات، كان قائد السرية في الماضي يعود إلى منزله مرة كل أسبوعين تقريبًا، بينما أصبح بعض القادة اليوم يمضون أشهرًا دون العودة إلى المنزل إلا لفترات محدودة. وينطبق الأمر ذاته على قادة الكتائب والألوية.
ويحذر الجيش من أن استمرار هذا النمط من الخدمة يجعل من الصعب إقناع الضباط بمواصلة مسارهم العسكري، وهو ما ينعكس على عدد المتقدمين للمناصب القيادية، في وقت يغادر فيه عدد من الضباط الخدمة، بينما تُشغل بعض المناصب بضباط أصغر رتبة، في ظل نقص في الملاك.
كم يتقاضى قادة الوحدات القتالية؟
تكشف بيانات الرواتب لعام 2026 عن مستويات أجور قادة الوحدات القتالية بعد الزيادات التي أُقرت خلال فترة الحرب.
ويبلغ راتب قائد سرية في كتيبة قتالية نحو 18,700 شيكل إسرائيلي إجماليًا شهريًا، بينما يصل راتب نائب قائد كتيبة إلى نحو 30 ألف شيكل، فيما يتقاضى قائد الكتيبة نحو 34,300 شيكل شهريًا.
وتأتي هذه الرواتب مقابل مسؤوليات تشمل قيادة مئات الجنود، واتخاذ قرارات عملياتية في ظروف قتالية، والإشراف على أسلحة ومعدات تبلغ قيمتها ملايين الشواكل، إضافة إلى تحمل مسؤولية مباشرة عن حياة الجنود.
ويشير التقرير إلى أن معظم الكتائب الإسرائيلية خضعت خلال الفترة الماضية لعمليات قتالية متواصلة في أكثر من ساحة، بينها قطاع غزة ولبنان والضفة الغربية وسورية، ولم تبدأ بعض الوحدات بالحصول على فترات راحة أطول إلا في الآونة الأخيرة.
رواتب منخفضة للضباط الشباب
ولا تقتصر المشكلة على القيادات الميدانية. فبيانات عرضها الجيش في مؤتمر عقد في مارس/آذار الماضي أظهرت مستويات أجور متواضعة نسبيًا لدى عدد من الضباط الشباب في مجالات التكنولوجيا والاستخبارات والموارد البشرية واللوجستيات.
ويحصل ضباط شباب في مجالي السايبر والاستخبارات في الوحدة 8200 على نحو 9 آلاف شيكل، بينما يبلغ راتب ضابطة الموارد البشرية في إحدى الألوية نحو 9,300 شيكل.
أما ضابطة اللوجستيات في هيئة اللوجستيات والتكنولوجيا فتتقاضى نحو 10,800 شيكل، فيما يبلغ راتب ضابطة السايبر في وحدة «ماتسوف» نحو 10,500 شيكل، ويحصل ضابط برتبة رائد في وظيفة مكتبية في قسم الناطق باسم الجيش على نحو 11,400 شيكل.
القطاع الخاص يجذب الكفاءات العسكرية
وتزداد صعوبة احتفاظ الجيش ببعض الكفاءات بسبب الفجوة الكبيرة بين رواتب الخدمة العسكرية وما يمكن أن يحصل عليه أصحاب الخبرات نفسها في القطاع المدني.
وتتنافس شركات التكنولوجيا والقطاع الخاص على استقطاب خريجي الوحدات التكنولوجية والاستخباراتية، وتقدم لهم في كثير من الأحيان رواتب أعلى بكثير من رواتبهم خلال الخدمة، إلى جانب شروط عمل ومزايا اجتماعية أفضل.
ويحصل الضباط في مجالات التكنولوجيا والسايبر والاستخبارات على ميزة إضافية تتمثل في الخبرة والتدريب اللذين يكتسبونهما خلال الخدمة، ما يجعلهم مطلوبين بقوة في سوق العمل بعد مغادرة الجيش.
لكن الوضع مختلف بالنسبة لضباط اللوجستيات والموارد البشرية والوظائف الإدارية، إذ لا يحصل هؤلاء بالضرورة على المزايا المهنية نفسها عند انتقالهم إلى القطاع المدني، رغم أن مستويات الضغط والمسؤولية قد تكون مرتفعة للغاية.
فجوة بين الضباط الدائمين وأفراد الاحتياط
وتظهر أزمة أخرى في المقارنة بين أفراد الخدمة الدائمة وجنود الاحتياط.
فخلال الحرب، وسعت الدولة بصورة كبيرة حزمة المزايا المقدمة لجنود الاحتياط، بما يشمل منحًا وتعويضات ومساعدات اقتصادية مختلفة.
في المقابل، بقي قادة الوحدات في الخدمة الدائمة يعتمدون بصورة أساسية على رواتبهم الشهرية، رغم أنهم يتحملون العبء العسكري طوال فترة الحرب.
ويرى مسؤولون في الجيش أن قائد سرية أو قائد كتيبة في الخدمة الدائمة لا يحصل على حزمة مالية مخصصة شبيهة بتلك التي يحصل عليها نظيره في قوات الاحتياط، رغم إمكانية تشابه حجم المسؤولية والضغط الأسري.
73% يشعرون بتضرر حياتهم الأسرية
وتكشف البيانات الداخلية للجيش عن حجم التأثير الذي تركته سنوات الحرب على الحياة الشخصية لأفراد الخدمة الدائمة.
فقد أفاد 73% منهم بأن قدرتهم على أداء أدوارهم داخل الأسرة والأبوة والأمومة تضررت بصورة كبيرة، بينما قال 62% إنهم فكروا في إجراء تغيير جوهري في حياتهم نتيجة الظروف التي فرضتها الخدمة.
كما أظهرت البيانات أن 49% فقط يرغبون في مواصلة الخدمة الدائمة، في حين قال 18.5% إنهم فكروا بصورة فعلية في ترك الجيش خلال الفترة الأخيرة.
ورغم ذلك، لا يزال الدعم العائلي مرتفعًا نسبيًا؛ إذ أعرب 72% من أزواج وزوجات أفراد الخدمة الدائمة عن شعورهم بالفخر والمشاركة في الخدمة، بينما أيد 68% منهم استمرارها.
لكن هذا الدعم لم يمنع استمرار الاستنزاف، في ظل ثلاث سنوات تقريبًا من الخدمة والقتال المتواصل.
مسؤول عسكري: رفع الرواتب وحده لا يكفي
وقال مسؤول كبير في هيئة الأركان إن أفراد الخدمة الدائمة «يعانون من الاستنزاف بعد ما يقارب ثلاث سنوات من القتال»، مشيرًا إلى أن المشكلة تشمل المقاتلين وداعمي القتال والعاملين في المقرات على حد سواء.
وأضاف أن هؤلاء يعملون على مدار الساعة، ويتعرضون للاستدعاء المستمر، ولا يعودون إلى منازلهم إلا لفترات قصيرة، بينما لا يحصلون على تعويض يتناسب مع حجم العبء الواقع عليهم.
وأشار المسؤول إلى أن الجيش رفع الرواتب بالفعل، لكنه شدد على أن ذلك «لا يزال غير كافٍ»، معتبرًا أن الحل يتطلب الجمع بين زيادة الأجور وتقليل حجم الضغط الواقع على أفراد الخدمة.
وختم بالقول إن القضية لم تعد مشكلة تخص الجيش وحده، وإنما أصبحت «مشكلة دولة إسرائيل بأكملها».
معضلة الجيش: كيف يحافظ على أفضل كوادره؟
وتضع هذه المعطيات قضية القوى البشرية في قلب الخطة المستقبلية للجيش الإسرائيلي.
فالتحدي لم يعد مرتبطًا فقط بعدد الدبابات والطائرات وحجم الذخائر المتوفرة، وإنما بمن سيتولى تشغيل هذه المنظومات وقيادة الوحدات في ساحات القتال.
وبعد سنوات من الحرب، يواجه الجيش معادلة مزدوجة: الحاجة إلى مزيد من الأفراد، والحاجة في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بالضباط والقيادات الأكثر خبرة وكفاءة.
وفي ظل ارتفاع مستوى الاستنزاف والفجوة مع القطاع الخاص، يصبح السؤال بالنسبة للمؤسسة العسكرية أوسع من قيمة الراتب الشهري: كم ستكلف خسارة قائد سرية أو قائد كتيبة يمتلك سنوات من الخبرة الميدانية؟
وتشير المعطيات إلى أن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من مجرد زيادة الرواتب، لتشمل تخفيف أعباء الخدمة، تحسين التوازن بين الحياة العسكرية والأسرية، وتقديم حوافز قادرة على إبقاء الضباط في الخدمة على المدى الطويل.