قصة

متهم على الشاطئ| قصة: ناجي ظاهر

ناجي ظاهر 10:25 03/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

انا لم اقتحم مكانًا ممنوعًا يا سيدي القاضي.. لا جوًا ولا بحرًا كما يدعي مُتهِمي. كل ما فعلته هو انني اشفقت على بلبوط مسكين مثلي وحاولت اعادته إلى الماء.. تسألني من أين جاءني هذا البلبوط؟ الآن، الآن، بعد قليل سأخبرك.. تأكد يا سيدي أنني لم اصطده، صحيح انني لا اعرف ان صيد البلابيط في بحيرة طبرية ممنوع.. غير انني اريد ان اقول لك إنني لا اتقن فن الصيد وانه لا توجد لدي لا صنارة ولا شبكة صيد.. بإمكانك ان ترسل مفتشًا إلى بيتي ليتأكد من صدق ما اقوله لك.. والله على ما اقوله أمام حضرتك شهيد.

ترفق بي يا سيدي ترفق.. فأنا انسان بسيط حملت عاصفةُ النكبة اهلي من قريتهم سيرين ليتشردوا في طول البلاد وعرضها ولأولد لهم في الناصرة البلدة التي احبها حبي لأمي وابي.. لا تتأفف يا سيدي اسمعني حتى النهاية فقد تقتنع وتحكم لي بالبراءة.. والله العظيم انني استحقها، تريدني ان اكون واضحًا ومباشرًا؟ طيب.. طيب سأكون كما تريد.. وسوف اجيب عن اسئلتك كلها.. ابتدأت حكايتي مع هذا البلبوط التعيس عندما كنت ذات يوم صاف استلقي على رمال شاطئ البحيرة. لا اخفي عليك انني كنت لحظتها استرق النظر الى صياد بدا لي انه من ابناء عمنا، اخواننا ابناء سارة. اذكر لحظتها انني حاولت اخفاء استراقي النظر اليه، خشية ان يُلبسني تهمة أدخل اليها ولا اطلع منها ابد الآبدين.. غير أن ما حدث اشعرني انه هو ايضًا كان يسترق النظر إلي.. فقد قال توجهه نحوي واقترابه مني وتقديمه بلبوطه إنه فعل مثلما فعلت واسترق النظر مثلما استرقت. تناولت البلبوط الحافل بالحياة من يده وانا ارقب ابتسامته الماكرة. ليتني تمعنت في تلك النظرة، نظرة شايلوك، جيدًا، لما كان اصابني ما اصابني ولما كنت وقفت هنا في هذه القاعة المتكهربة انتظر عدلك في قضية كان الاحرى بي ان اقف فيها متهمًا، بالكسر، لا متهمًا، بالفتح، علامة النصب بلغتنا العربية. لا اطيل عليك يا سيدي اعرف ان وقتك يختلف عن وقتي كثيرًا، فأنت مشغول على طول وانا لا شغلة ولا عملة يفتح الله. صدقني لولا هذه القضية لكنت الآن مسترخيًا على الشاطئ ذاته. بلا طول سيرة حملت البلبوط واندفعت فيه باتجاه سيارتي المهشمة، اردت ان افرَّ به تجاه بلدتي قبل إن يتراجع الخواجا عن اهدائه لي. لم اكن اعرف لماذا فعلت ما فعلته ربما لأنه كان اول بلبوط يقع بيدي الجائعتين.

تريد ان اختصر يا سيدي؟ طيب امرك سأختصر.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

نظرت في عيني البلبوط إلى جانبي في السيارة فرأيت فيهما خوفًا ووجلًا لا يعرفهما احد مثلما اعرفهما انا ابن النكبة التائه في مسالكها. مددت اليه يدي اريد ان اطمئنه إلى انني سأكون صديقًا له لما بيننا من اوجه تشابه.. عندها حرك المسكين زعانفه متألمًا.. قلت له لا تقلق يا صغيري لا تقلق. الآن سأحل لك مشكلتك فقد يرأف بي العالم ويعيدني إلى قريتي. بدا الكائن المسكين كمن لم يفهم شيئًا وان كنت احسست في اعماقي بأنه فهمني.. تفهمه هذا دفعني لأن ارسل النظر في ذلك الخلاء البحري. رأيت هناك تنكة كاد يأكلها الصدأ فاندفعت من سيارتي باتجاهها عبأتها بالماء فبقي الماء فيها لم تكن مثقوبة.. الحمد لله حملت التنكة وعدت راكضًا إلى بلبوطي الخائف. نظرت في عينيه كان خوفه يكبر.. طمأنته بإشارة من يدي فالمسكين لا يظلم اخاه المسكين. ورفعته من موقعه على الكرسي الأمامي القريب مني.. رفعته برقة نشدتها طوال ايام حياتي، لا سيما بعد ان طردتني زوجتي شر طردة من بيتي، لأعيش وحيدًا، في مكان قصيٍّ عن بيتي. ووضعته في الماء.. آخ يا سيدي لو كنت معي في تلك اللحظة.. والله العظيم اني شعرت كأني عدت إلى قرية الاهل سيرين.. صحيح انها التنكة المصدية كانت ضيقة لكن المسكين فتح عينيه وارسل نظرة غامضة إلي كأنما هو يريد ان يشكرني.. نعم يا سيدي اراد ان يشكرني.. مثلما ارجو ان اشكرك بعد ان تحكم ببراءتي.. تريدني ان اركز اكثر يا سيدي؟ سأركز بتأمر امر.. امرك على راسي.

عندما وصلت إلى بيتي في الناصرة كانت تتقاذفني المشاعر، فماذا افعل بهذا الزائر العزيز في بيتي؟ بعد عجزي عن ايجاد الاجابة عن هذا السؤال الصعب المحيّر اتصلت بزوجتي.. آه اتصلت بها.. صحيح انها لم تكن تتحمّل سماع صوتي إلا انني لم اجد سواها من استشيره في امر بلبوطي.. رفعت سماعة التلفون ورويت لها ما حدث من قُصقُص للسلام عليكم.. وهي تتأفف وتهمس لنفسها الله يطوِّلك يا روح.. وجاء في النهاية وقت السؤال فسألتها عمّاذا يمكنني ان افعل بضيفي الحائر الخائف، فنفرت بي كعادتها وقالت لي شو خصني فيك وفي بلبوطك اكسر راسه بالشاكوش وكله.. واذا كنت لا تريده اعطني اياه انا اكسر رأسه والتهمه.

عندما طرقت زوجتي سماعة التلفون واغلقته في وجهي، تصورت يدي تهوي بالشاكوش على راس ذلك الكائن المسكين وكأنما هي تهوي على دماغي.. واتخذت قرارًا قد لا يتوقعه احد في عالمنا التعيس هذا، لا سيما من مُهجر ابن مُهجر مثلي. تريد أن تعرف قراري يا سيدي؟ صبرًا صبرًا.. سأطلعك عليه في الوقت المناسب.

اتخذت قراري العتيد. وأخذت افكر في كيفية تنفيذه. بإمكان سيارتي الترنتا أن تحملني من الناصرة إلى طبريا. لكن هل اذهب إلى هناك وحيدًا؟ لا سيما وان الليل ابتدأ بالهبوط مُرخيًا سدوله. ومضى الوقت ثقيلًا بطيئًا كما مر على شاعر عربي قديم يدعى النابغة الذبياني. هل تعرف النابغة الذبياني يا سيدي؟ اغمضت عيني قليلًا فخطرت لي خاطرة جهنمية. لأتصل بزوجتي فهي تحب البحر وعلى استعداد إن تقتل اباها مقابل ان ترى ضوء القمر وهو يتراقص على سطح مياه البحيرة. عندها قتلت كل تردّد، ما اقسى كلمة قتلت هذه، وطلبت منها بأدب جمّ ان ترافقني لنعيد البلبوط المسكين إلى مياهه هناك في بحيرته.

لم تمض سوى دقائق وسمعتها، زوجتي، تناديني من الشارع فهي لا تدخل بيتي لتراكم القاذورات فيه. حملت نفسي وانطلقت باتجاهها. ركبنا سيارتنا بعد أن وضعنا ضيفنا العائد في تنكته على المقعد الخلفي لسيارتنا، وانطلقنا باتجاه طبريا.

اوقفنا سيارتنا هناك على الشاطئ. تمعنت في كل الاتجاهات كان الجو صافيًا ومغريًا بالتقدم. تجاهلت لافتة منصوبة هناك على سياج بِلمعْ لمعْ. تقول إن الدخول إلى هذا الشاطئ ممنوع. لفتت تلك اللافتة نظر زوجتي فسارعت إلى تحذيري من الدخول إلى الشاطئ. إلا انني لم انصع لطلبها. اعتقدت ان الامر لا يحتاج إلا للحظات معدودات. غير ان ما حدث كان مخالفًا لكل توقعاتي. فما أن دفعت البلبوط إلى الماء حتى ظهرت سيارة لا اعرف من أين طلعت ونزل منها رجلان يشهران السلاح بوجهي.. بلا طول سيرة التقط الاثنان العشرات من الصور لي ولسيارتي. وسجّلا تفاصيلي كاملة، وأخبراني انني خالفت امرين هما الدخول إلى شاطئ ممنوع الدخول إليه واصطياد بلبوط.. واوضحا لي قائلين إنني سأدفع مقابل مخالفتي هاتين في المحكمة.. وها انذا امثل امام حضرتكم متوقعًا الحكم لي بالبراءة.. فأنا لم اصطد ذلك البلبوط وكل ما اردته هو ان اعيده إلى مائه لعل الله يرأف بي ويعيدني إلى قريتي.

ماذا؟.. ماذا تقول يا سيدي القاضي.. مذنب؟ أنا مذنب؟ تقول هذا رغم كل ما قلته لك؟ صدقني يا سيدي.. الخواجا هو من اصطاد ذلك البلبوط و.. ليس انا.. هو من اصطاده ولست انا.. كل ما اردته هو ان اعيد البلبوط المشتاق إلى مائه بعد أن اصطاده الخواجا.. الخواجا..

 موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان alarab@alarab.com      

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio