صدر حديثا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في الأردن للأستاذ الدكتور جاسر أبو صفيه كتابه الموسوم بـ "ابن الرومي ناقدًا" ومن المعروف أن الأستاذ الدكتور جاسر أبو صفية من الباحثين الجادين الذين ينقبون في الخبايا ولا يستسهلون نبش ما هو على السطح ، ويقول الدكتور أبو صفيه في معرض حديثه عن الكتاب: ينصبّ جلّ اهتمام الدراسات الأدبية على تاريخ الأدب، وقلّ أن تهتمّ بالأدب نفسه، ولذا رُسم لابن الروميّ في أذهان الباحثين والدارسين صورة الشاعر الهجّاء، السّليط اللسان، ولا يُنصح أحد بالكتابة عنه لنحسه وشؤمه. وقد نصحني الأخ الصديق الدكتور نصرت عبد الرحمن، رحمه الله، بعدم الكتابة في هذا الموضوع لئلا يصيبني نحس ابن الروميّ.
يبدو أنّ لابن الروميّ سحرا جاذبا؛ إذ لم أستمع إلى نصيحة الدكتور نصرت، وأصررت على المضيّ قدما في تقميش مادة البحث، ولا سيّما أنّني وقفت في كتاب "الإبانة في اللغة العربية" لسلمة بن مسلم العوتبي، على نصّ نقديّ لابن الروميّ في درجات الواصفين، يدلّ على دقة نظر نقديّ، وبصر بالشعر وفنونه. فأخذت أبحث في بطون الكتب عليّ أجد ما ينقع غُلّتي، ويؤكد ما وقر في ذهني عن ابن الروميّ الناقد.وفي أثناء البحث والتّنقير لمحت بصيصا من نور في كتاب "العمدة" لابن رشيق القيرواني؛ إذ ذكر عبارة يستدلّ منها على أنّ ابن الروميّ كان له كتاب في النقد، ضيّعه لسانه، فلم يصل إلينا، وذلك قوله: "وقد نصّ ابن الروميّ في بعض تسطيراته على محمد بن أبي حكيم الشاعر".ثمّ وجدت بعض الروايات النقديّة لابن الروميّ في كتاب المرزبانيّ "الموشّح".ولكن ذلك لم يكن كافيا لإقامة بحث عنوانه "ابن الروميّ ناقدا"، فرحتُ أنقّر في ديوانه علّني أجد ما يجعلني أعدّه في النقاد العرب القدامى. وقد حالفني الحظّ؛ إذ وقعت في ديوانه على نصّ نثريّ في صفة النرجس، يشبه ما ذكره العوتبي في الإبانة.ثمّ استخرجت من ديوانه عددا كبيرا من الأبيات الشعرية تشتمل على قضايا نقدية بثّها في تضاعيف شعره، وتتضمن مصطلحات نقديّة وعروضيّة كثيرة. فكان حصيلة ذلك كلّه هذا البحث. فإن وُفّقت فمن الله، وإن قصّرت فمن عجزي وقلّة حيلتي، وحسبي أنني حاولت.ومن الجدير بالذكر أن الأستاذ الدكتور جاسر أبو صفيه ودار فضاءات قد وقعا اتفاقا بشأن كتابه الموسوم ب "أمية الرسول والعرب ، مقالات في النقد والأدب" ومن المفترض أن يكون بين أيدي القراء قبل نهاية هذا العام إن شاء الله.