اخبار محلية

وهل للاعتذار معنى؟

16:14 23/09 |
حمَل تطبيق كل العرب

لقد تعالت أصوات القادة والشعوب في العالمين العربي والإسلامي، لتطالب بابا الفاتيكان بالاعتذار عما بدر منه من تهجمات منفلتة على الإسلام وعلى رسول الله (ص)؛ فتمنى الجميع أن يفعل ، لعله يجنب العالمين الإسلامي والمسيحي صدامًا لا خير فيه، إلا أنه بدلاً من أن يرجع عن هجمته الشرسة وغير المبررة على الإسلام، راح يبالغ في غيه، فلام ردة الفعل على فعله، دون أن يلوم نفسه، وكأن لسان حاله يقول: إن الخطأ في ضحيته لا فيه.والحقيقة، أن مطلب الاعتذار في مثل هذا الحال يجانب الصواب، لأن المسألة ليست زلة لسان، أو سوء صياغة للأفكار، وإنما هو إعراب عن أفكار حقيقية تنم عن "أجندة" منتظمة لدى الرجل، والحق يقال إنه كان مخلصا في الإعراب عنها صراحة، الأمر الذي يجعل الاعتذار فارغًا من أي دلالة.فمطلب المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء ينبغي أن يكون اعتزال الرجل مهامه كي يفسح المجال أمام غيره ممن يؤمنون بضرورة العمل على جمع  الناس على الخير، خاصةً في هذه المرحلة التي يطغى عليها الاستقطاب.وقبل أن نخوض في ذلك نقول، إنه لا بد من إخراج المسيحية تمامًا من هذا النقاش، لأن مثل هذه الأقوال البذيئة لا يمكن أن تنتسب إلى المسيحية السمحاء، التي لا تحتضن بين جانبيها إلا رفيع الخلق، من تسامح ومحبة وخير، ومن كان على هذه الشاكلة من سوء الأداء والاعتداء على الناس، ليس له أن يعلق وزره بالمسيحية، هذا من ناحية، ومن أخرى فإنه ليس لبابا الفاتيكان أكثر من المسلمين بنبي الله عيسى ، ولا يجوز أن يعزوَ مواقف رديئة لعيسى عليه السلام بعد أن جعل نفسه ممثّلاً له على الأرض ؟!ألم يكن عيسى عليه السلام معصومًا عن مثل هذه التفوهات المستنكرة؟!!وغني عن القول إن إسناد مثل هذه التصرفات إلى المسيحية أو إلى نبي الله عيسى عليه السلام، إنما هو اعتداء على المسيحية وعلى عيسى عليه السلام، قبل أن يكون اعتداءً على الإسلام.لقد رفع القرآن الكريم منزلة عيسى عليه السلام في الدنيا والآخرة، وكرّم أمه أيما إكرام. من هنا فإن لنا كمسلمين في عيسى أكثر من الألمان والطليان جميعًا؟. من الناحية الثانية، فإنه ينبغي إخراج المسيحيين العرب وتحييدهم تمامًا من هذا النقاش، أولاً لأن مجرّد الانتماء الديني لا يعني الاتفاق مع هذه الأجندة لزعيم هنا أو زعيم هناك.ثم إن العرب في وطننا العربي من المحيط إلى الخليج إنما هم نسيج عضوي متكامل من المسلمين والمسيحيين، وقد بنينا معًا أوطانًا وحضارة يفخر بها التأريخ. ولا يجوز لأي أحد أن يفصل شطرًا من شطري هذه المعادلة. معناه، أن الالتئام والالتحام بين المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي إنما هو المطلب الأساس لكيان الفريقين،  لأن كليهما لحم من الجسد الواحد. وعليه فإنه لا يجوز بأية حال مهاجمة الكنائس، فهي منا ولنا؛ وهي ملك لأبناء الشعب والوطن ، والاعتداء عليها إنما هو اعتداء على الذات تمامًا، لأنها كنائس أهل فلسطين الشعب، وفلسطين الوطن- بشتى ألوانه وأطيافه مسلمين مسيحيين. ومثلها كنائس دمشق وبيروت والقاهرة وعمان.لذا فإن الدفاع عنها هو واجب على المسلمين، وقد ارتقى المسلمون الى ذلك يوم هبوا في فلسطين للدفاع عن  كنيسة البشارة في الناصرة.ولا يجوز أن تعاب هذه الوحدة بين ابناء الشعب الواحد - الأحبة في السراء والضراء من أيٍّ كان، حتى لو كان هذا جالسًا في روما أو في واشنطن.لقد ارتأى الرجل أن يستشهد بقول قبيح لأحد الأباطرة البيزنطيين النكرات من نهاية القرن الرابع عشر(مناويل الثاني) الذي هاجم بجهله الإسلام، وإني لأتساءل لماذا ارتأى أن ينتقي هذا القول دون غيره من التاريخ المظلم، لولا أن له في ذلك مأرب؟! أما قوله إن اختياره لهذا الاقتباس كان لفتح باب حوار حقيقي مع الإسلام، فهو عذر أقبح من ذنب، فأي حوار هو هذا الذي يمكن أن يتلو فاتحة عدائية سافرة كهذه؟! ومهما  جَهِد الرجل  في التخبط في ألقول، فإن الحقيقة مُرّة أكثر مما يتصور البعض، وهي أن للرجل برنامجًا منهجيًا؛ وهو باختصار، استعداده للانضمام إلى جوقة المعادين للإسلام، سمّهم ما شئت: ساسةً، أو محافظين جدد، أو مسيحيين صهاينة أو غير ذلك. والشاهد على ذلك، هو تاريخ  السيد رتسينغر الحافل، فهو الذي عارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لأنها دولة إسلامية، بدعوى أنه يريد الحفاظ على مسيحية أوروبا. وهو الذي أعلن أن المسيحية الصحيحة هي الكاثوليكية فقط. أي أنه كفّر غير الكاثوليك من المسيحيين دون تحفظ، معناه أن الأرثوذوكس من العرب بالنسبة له كافرون، كما أنه أمر بإلغاء هيأة الحوار بين الأديان فور تسلمه رأس الكنيسة. وبذا فإنك لترى أنه بتفوهاته الأخيرة إنما يعني ما يقول، ويؤمن به. من هنا، فإن الاعتذار في هذا الحال يكون فارغًا تمامًا ولا يتعدى المحاولة البائسة للخروج من مأزق ليس إلا.هذا، وينبغي أن يلتفت إخوتنا من رجال الدين المسيحيين الشرفاء الحريصون على تقريب القلوب، إلى أن الأمر جد خطير، فبخلاف الرسوم الكاريكاتورية التي صدرت عن رجلٍ نكرة لا يعرفه أحد؛ تأتي هذه التصريحات ممن يقف على رأس الكنيسة الغربية، لما في ذلك من انعكاسات وتأثير مباشر على المؤمنين المسيحيين في شتى بقاع الأرض. والعجيب أن يستنجد البابا في مسألة دينية، مع أنه هو المرجعية الدينية الأولى، بأحد الأباطرة البيزنطيين من العصور الوسطى،  ليرمي الاسلام بالعنف والظلامية، وهو خطأ استراتيجي وتكتيكي على حد سواء، لأن نبش التأريخ ليس في مصلحته، لا كألماني ولا كأوروبي ولا كبابا!! فأوروبا هذه (قبل قرنين فقط من عهد إمبراطور البابا هذا) هي نفسها التي شنت على المسلمين الحروب الصليبية سيئة الصيت. يومها اعتدوا على المسلمين وارتكبوا المذابح باسم الدين، والمسيحية منهم براء. (وكان أولها بإشارة البابا أوربان الثاني ومجلسه) ثم إن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هي التي أنشأت محاكم التفتيش في غالب أنحاء أوروبا ضد من أسمتهم المهرطقين المارقين( الأشخاص المعارضين لتعاليم الكنيسة) وأشهر تلك المحاكم هي تلك التي أقامها فردناند وزوجته إيزابيل للتجسس على أهل الأندلس الذين فرضت عليهم النصرانية، ونكلت بالمسلمين بوحشية. وفي سنة 1231 أنشأ البابا جريجوري التاسع محكمة خاصة للتحقيق مع المتهمين وإجبارهم على تغيير معتقداتهم ، وسنة 1542 تولت لجنة الكرادلة التابعة للمكتب البابوي عملية التحقيق، وعمل رهبان من الدومنيكان والفرنسيسكان قضاة في تلك الهيآت. ولقد كثرت محاكم التفتيش في فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا، وكثيرًا ما عذب المتهمون الذين رفضوا تغيير معتقداتهم  وحكم عليهم بالموت حرقًا. ليس هذا فحسب بل إن من وضع مصطلح "الحرب المقدسة" هو البابا أوربان الثاني في سياق الحروب الصليبية، يوم أرسل جنوده لذبح المسلمين الذين رفضوا تغيير دينهم، وهو ترجمة للعبارة الأصل "sacrum bellum " إضافة إلى مبدأ أن "لا خلاص خارج الكنيسة"، "extra ecclasiam nulla salus ". كما إن اعتذار البابا السابق عن دوره في مهادنة النازية، معناه اعتراف بالتقصير إن لم يكن أكثر من ذلك. لذا، فإن الصورة مؤسفة للغاية، وحري بالشرفاء من المسؤولين المسيحيين أن يدينو هذه الأنماط السلوكية كي لا تتكرّر .أما بالنسبة لما يرمون الإسلام به ، فإني سأتبع هذه المقالة بواحدة إخرى تبين كيف انتشر الإسلام بحقٍ وحقيقة.ويجدر بنا هنا أن نخلص إلى القول إن تلك الجوقة ممن تنقصهم رحمة الله وهدايته في أوروبا وأمريكا، إنما هي ظاهرة تمر كسحابة صيف، ولكن الإسلام والمسيحية إنما هما ديانتا توحيد، قَرُبتا حتى تعانقتا. قال تعالى بحق النصارى: ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) وقد تحقق معنى الآية الكريمة هذه بالعهدة العمرية الشامخة في سماء أمتينا إلى ما شاء الله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio