الصائمون في رمضان القريب، ابتداء من أواسط أيلول القادم، لن يستمعوا أكثر إلى أحاديث الإذاعي المعروف نور الدين عبد القادر الدريني- أبي جرير- فقد ذهب هذا الرجل يوم الثلاثاء الفائت 10-7-2007 إلى عالمه الآخر، تاركا وراءه ذكريات حفرت لها مكانا خاصا لدى الآلاف من الصائمين من المسلمين، ومن المحتفلين بالأعياد من الإخوة المسيحيين.نور الدين الدريني ولد قبل اثنين وثمانين عاما، عمل في راديو صوت إسرائيل وفي التلفزيون الإسرائيلي، وكان متخصصا في البرامج الدينية.استمعت إلى صوته الجهوري أجيال وأجيال من بلادنا ومن إنحاء مختلفة من العالم العربي المحيط بنا، لا سيما في ساعات الصباح أو المساء في شهر رمضان المبارك لدى أبناء الديانة الإسلامية، وفي الاحتفالات الدينية لدى الإخوة من أبناء الديانة المسيحية.كان المرحوم، كما اتضح من أحاديثه الدينية، ومن نقله للاحتفالات الدينية أيضا، بل من كتابه، الذي قد يكون الوحيد له وهو: " مختارات- من الأحاديث النبوية الشريفة في أضواء كاشفة على مسار الإنسان والإيمان" الذي صدر عام 2005 ضمن منشورات دائرة الثقافة العربية، التي أتشرف برئاسة مجلس الكتاب التابع لها منذ سنوات، كان إنسانا متواضعا منخفض الصوت لا يرفعه احتراما لمن يتحدث معه واليه، وكان واسع الأفق محبا للأمن والسلام مؤيدا لهما اشد التأييد، ويعترف كاتب هذه السطور انه اخذ عليه في فترة ما، انه عمل في محطة إذاعية برعت في الإساءة إلى كل ما هو عربي، عبر الهمز واللمز، لا تتردد في شتم القيادات العربية على الطالع والنازل، لسبب وبدون سبب، إلا إنني كنت وما زلت أؤيده في دعوته الإنسانية المنفتحة على الآخر والداعية إلى التحاور معه، متخذة من الحوار معه وسيلة لحل الخلافات والنزاعات.لم التق بالمرحوم أبي جرير سوى مرتين أو ثلاث مرات، في هذا المحفل أو ذاك، وكان الانطباع الغالب في كلا اللقاءين، انه إنسان ودود، واذكر أن الحديث بيننا، أنا وهو دار حول الناصرة مدينتنا المشتركة، وحول أهمية التعايش الآمن بين أهلها في ظل المحبة والإخاء، مثلما كان عليه الحال عبر العشرات والمئات من السنين الماضية. بل إنني اذكر أن احد اللقاءات تم في ذروة النقاشات حول قضية شهاب الدين، وحول قطعة الأرض المتنازع عليها تحديدا، وانه ادني فمه من أذني ليهمس فيها قائلا: إياكم والفتنة فإنها نار يمكن أن تحرق الجميع، وان تسئ إلى العلاقات الإنسانية الحسنة بين أهالي مدينة واحدة اعتادوا على التعايش في ظل المحبة، ولا محيص لهما عنه. أدنيت فمي يومها من أذنه أيضا وأنا أطمئنه قائلا: إن ما يجمع بين أهالي الناصرة أكثر بكثير مما يفرق بينهم، لا تخف. يومها ضحك وهو يقول: اعرف هذا، أنا لست خائفا بقدر ما أنا قلق على مدينتي وأهلها. وافترقنا وكل منا مطمئن إلى ما استمع إليه من نظيره.نور الدين الدريني، أبو جرير، مهما اختلفت الآراء في تقييمه وتضاربت، كان واحدة من علامات الفترة الماضية، في المجال الثقافي وفي المجال التثقيفي الديني، قدم مثالا للإنسان المؤمن الذي لا يمكنه ولا يسمح لنفسه أن يكره مؤمنا آخر، مهما باعدت بينه وبين ذاك المؤمن المسافات، لهذا سيبقى واحدة من العلامات المضيئة، كلما ادلهمت عتمات الجهل، التخلف والتباعد بين أبناء الشعب الواحد.. على انتماءاتهم الدينية المختلفة.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio