مقالات

تفكيك مصطلح "الإسلام السياسي"... أيّ "إسلام سياسي" نتحدث عنه؟

ساهر غزاوي 22:51 27/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

في المقال الأول توقفت عند الإشكال المتعلق بإضافة صفة "السياسي" إلى الإسلام، وتساءلت: هل يصبح الإسلام إسلامًا آخر لأن السياسة أحد مجالاته؟ لكن، حتى لو تجاوزنا هذا الإشكال وقبلنا استخدام مصطلح "الإسلام السياسي" على سبيل الاصطلاح، فإن سؤالًا آخر يفرض نفسه: أيّ "إسلام سياسي" نتحدث عنه أصلًا؟

وسأحاول مقاربة هذا السؤال من خلال ثلاث مسائل مترابطة، تتعلق بالتباين الكبير بين الحركات التي تُجمع تحت هذا المصطلح، وما تكشفه بعض النماذج والدراسات من اختلاف في رؤاها وممارساتها السياسية، ثم ما قد ينطوي عليه وصفها بـ "الإسلام السياسي" من اختزال لتجارب وحركات لا تقتصر أنشطتها ومشاريعها على السياسة وحدها.

فعندما نراجع الحركات والجماعات والأحزاب التي توضع تحت هذه المظلة، نجد أنفسنا أمام تجارب شديدة التباين. فالإخوان المسلمون في مصر والأردن، وحركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، والحركات الإسلامية الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي، والحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني بشقيها، وغيرها، جميعها تُوضع، بدرجات متفاوتة، تحت عنوان "الإسلام السياسي".

لكن هل يكفي أن تنطلق حركة ما من مرجعية إسلامية، وأن تمارس السياسة، حتى نجمعها مع غيرها في خانة تحليلية واحدة؟

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

نحن أمام حركات نشأت في سياقات سياسية واجتماعية مختلفة، وتبنت مواقف متباينة من الدولة والسلطة والديمقراطية والانتخابات والتعددية، ومن وسائل التغيير السياسي وأشكال المقاومة. بعضها شارك في الانتخابات والبرلمانات والحكومات، وبعضها قاطعها أو رفضها في مراحل معينة، وبعضها قبل بالدولة الوطنية وآلياتها السياسية، بينما حملت حركات أخرى تصورات مختلفة للدولة والنظام السياسي. وهناك من تبنى الإصلاح التدريجي والعمل السلمي، ومن جمع بين العمل السياسي والمقاومة المسلحة.

ولا يتعلق الأمر باختلافات هامشية داخل تيار متجانس، بل أحيانًا باختلافات تمس صميم فهم السياسة والدولة والتغيير.

وهنا لا بد من التنبيه إلى مسألة مهمة. فنقد مصطلح "الإسلام السياسي"، أو حتى رفضه للأسباب التي أشرت إلى بعضها في المقال الأول، لا يعني إنكار وجود الظواهر التي حاول الباحثون وصفها من خلاله، ولا القول إن الباحثين اخترعوا ظاهرة غير موجودة. فهناك بالفعل حركات إسلامية جعلت العمل السياسي وقضايا الدولة والحكم والتشريع والإصلاح السياسي، بدرجات متفاوتة، جزءًا أساسيًا من مشروعها. إنما الاعتراض يتعلق بالمصطلح نفسه، وما يوحي به من تقسيم الإسلام إلى "إسلامات متعددة"، وبمدى دقته وقدرته على استيعاب هذه التجارب المختلفة وتفسيرها، لا بإنكار وجودها.

ولا نحتاج لإدراك هذا التباين إلى مقارنة تجارب متباعدة جغرافيًا وتاريخيًا. ففي الحالة الفلسطينية نفسها نجد نموذجًا لافتًا. فقد درس الباحثان أسعد غانم ومهند مصطفى، في دراسة بعنوان "تفسير الإسلام السياسي: تحولات الحركات الإسلامية الفلسطينية"، الحركة الإسلامية الجنوبية والحركة الإسلامية الشمالية في الداخل الفلسطيني وحركة حماس، وميّزا بين ثلاث استراتيجيات سياسية مختلفة: "سياسة القبول" لدى الجنوبية، و"سياسة الاختلاف" لدى الشمالية، و"سياسة المقاومة" لدى حماس. وربطا هذا التباين بأربعة عوامل رئيسية هي السياق السياسي، وتوجهات الجمهور، وتفضيلات قيادات الحركات، وتفسير النص الديني.

وهذا المثال مهم لأنه يوضح أن الانطلاق من مرجعية إسلامية، بل وحتى الانتماء إلى فضاء فلسطيني متقارب، لا ينتج بالضرورة رؤية سياسية واحدة أو ممارسة سياسية متشابهة. فإذا كان هذا القدر من التباين قائمًا داخل الحالة الفلسطينية نفسها، فكيف عندما نضع إلى جانبها تجارب مصر وتونس والمغرب، وتركيا، والأردن، وغيرها؟

وليست هذه الإشكالية حكرًا على منتقدي المصطلح من داخل التيارات الإسلامية. فقد لفت باحثون أيضًا إلى مشكلة التعامل مع الحركات الإسلامية باعتبارها كتلة متجانسة. ومن ذلك ما أشار إليه الباحث يحيى صادوسكي في دراسته "الإسلام السياسي: هل نطرح الأسئلة الخاطئة؟"، حين انتقد النزعة إلى التعامل مع الحركات الإسلامية وكأن لها جوهرًا ثابتًا يمكن تفسيرها جميعًا من خلاله، وما يترتب على ذلك من عدم إعطاء التنوع الكبير بينها ما يستحقه من اهتمام.

وهنا قد تكون المشكلة في العدسة نفسها. فإذا بدأنا من افتراض أن هذه الحركات تنتمي إلى ظاهرة واحدة اسمها "الإسلام السياسي"، فقد ننشغل بالبحث عما يجمعها، بينما تكون الاختلافات بينها أكثر أهمية لفهمها. وبعبارة أبسط، كلما اتسع المصطلح، قد تضعف قدرته على التفسير.

وهناك جانب آخر للمسألة. فالسياسة ليست النشاط الوحيد لكثير من الحركات التي توضع تحت هذه المظلة. فقد اشتغلت هذه الحركات، بدرجات متفاوتة، في الدعوة والتربية والتعليم والعمل الاجتماعي والخيري والإغاثي، وأسست جمعيات ومؤسسات ومدارس ومراكز دينية واجتماعية، وعملت في المساجد وبين الشباب والنساء والطلاب وفي المجتمع المحلي.

وفي حالات كثيرة، لم تنظر هذه الحركات إلى العمل السياسي باعتباره مشروعًا منفصلًا عن هذه المجالات، وإنما جزءًا من تصور أوسع للإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا نختار المجال السياسي تحديدًا ليصبح الصفة التي نعرّف بها هذه الحركات كلها؟

فحين نصف حركة متعددة الأنشطة والمجالات من خلال بعدها السياسي وحده، قد نختزل تجربتها في جانب واحد منها، مع أن نشاطها الدعوي والاجتماعي والتربوي قد يكون ضروريًا لفهمها بقدر فهم ممارستها السياسية.

وهنا يمكن أن نعود إلى سؤال المقال: أيّ "إسلام سياسي" نتحدث عنه؟ والجواب، في تقديري، أننا لسنا أمام "إسلام سياسي" واحد متجانس، وإنما أمام حركات وتجارب إسلامية متعددة، تختلف في فهمها للسياسة والدولة والتغيير، وفي وسائلها وأولوياتها وطبيعة عملها. واشتراكها في المرجعية الإسلامية لا يكفي وحده لمحو هذه الاختلافات أو لجعلها تجربة سياسية واحدة.

وهذا لا يعني إنكار وجود قواسم مشتركة بينها، أو رفض المقارنة والتصنيف، فهما من أدوات البحث الضرورية. لكن التصنيف يكون مفيدًا عندما يساعدنا على الفهم والتمييز، لا عندما يتحول إلى صندوق واسع نضع داخله تجارب مختلفة ثم نفترض أن الاسم وحده يكفي لتفسيرها.

لذلك، ربما يكون الأجدى أن ندرس كل حركة من خلال فهمها للإسلام والسياسة، وعلاقتها بالدولة والمجتمع، والأدوات التي تستخدمها، والسياق الذي تشكلت فيه خياراتها. فالمشكلة ليست في إنكار وجود حركات إسلامية تمارس السياسة، وإنما في مدى قدرة مصطلح واحد على تفسير تجارب شديدة التباين ومتعددة المجالات، من دون أن يحجب اختلافاتها أو يختزلها في بعدها السياسي.

ويبقى سؤال ثالث سأنتقل إليه في المقال القادم. فمن أين جاء مصطلح "الإسلام السياسي" أصلًا؟ وكيف تطور في الأدبيات الأكاديمية؟ وما علاقته بمصطلح "الإسلاموية" (Islamism)؟ وكيف انتقل إلى الإعلام والخطاب السياسي؟ وإذا كان مختزلًا أو غير كافٍ، فما البديل؟ وهل نحتاج أصلًا إلى مصطلح واحد يجمع كل هذه التجارب المختلفة؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio