قراءة في مسيرة المشاركة العربية في الانتخابات مقارنة بالمشاركة العامة
تُعد المشاركة في الانتخابات واحدة من أهم أدوات التأثير في المجتمع الديمقراطي. فالتصويت لا يعني فقط اختيار حزب أو قائمة، وإنما هو ممارسة لحق مدني وسياسي، وفرصة للمواطن للتأثير في السياسات والقرارات التي تمس حياته ومجتمعه ومستقبل أبنائه.
وعند قراءة مسيرة التصويت في المجتمع العربي في إسرائيل، نكتشف أن المشاركة لم تكن ثابتة، بل مرت بمراحل مختلفة، ارتفعت فيها النسبة في فترات، وانخفضت في فترات أخرى.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة ونحن نتجه إلى انتخابات جديدة، لأن فهم الماضي يساعدنا على الإجابة عن سؤال أساسي: كيف نعيد بناء الثقة ونرفع مستوى المشاركة؟
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });1996–2001: مرحلة الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة
من المهم عند قراءة الأرقام التاريخية أن نتذكر أن الفترة بين 1996 و2001 كانت مختلفة عن الانتخابات اللاحقة.
ففي 1996 انتُخب رئيس الحكومة بالاقتراع المباشر بالتزامن مع انتخابات الكنيست، وكان التنافس بين بنيامين نتنياهو وشمعون بيرس.
وفي 1999 تكرر النظام نفسه، وكان التنافس بين إيهود باراك وبنيامين نتنياهو.
أما في 2001، فقد جرت انتخابات مباشرة لرئاسة الحكومة فقط، بين أريئيل شارون وإيهود باراك، وكانت آخر انتخابات من هذا النوع.
لذلك فإن مقارنة هذه المرحلة بالانتخابات التي تلت عام 2003 تحتاج إلى الحذر، فالناخب كان يمتلك آنذاك حافزًا إضافيًا يتمثل في انتخاب رئيس الحكومة بصورة مباشرة.
من 2003 إلى 2013: بداية اتساع الفجوة
بعد إلغاء نظام الانتخاب المباشر، عادت الانتخابات إلى النظام البرلماني، وأصبح التصويت للكنيست هو المسار الانتخابي الأساسي.
وتظهر البيانات أن نسبة التصويت العربية بلغت نحو 62% عام 2003، و56.3% عام 2006، و53.4% عام 2009، و56.5% عام 2013، بينما كانت المشاركة العامة أعلى من ذلك.
وتشير الدراسات إلى أن الفجوة بين المشاركة العربية والمشاركة العامة أصبحت أكثر وضوحًا خلال هذه المرحلة.
2015: القائمة المشتركة وارتفاع المشاركة
شكلت انتخابات 2015 محطة مهمة في المشاركة العربية، إذ وصلت نسبة التصويت إلى نحو 63.5%.
وكان تشكيل القائمة المشتركة عاملًا مهمًا في رفع الحافزية الانتخابية، وهو ما يؤكد أن التنظيم السياسي والوحدة يمكن أن يؤثرا بصورة كبيرة في قرار المواطن بالمشاركة.
2019–2022: تحولات كبيرة في المشاركة العربية
شهدت هذه الفترة تغيرات واضحة في نسبة التصويت العربي.
في نيسان 2019 بلغت المشاركة العربية 49.2%.
وفي أيلول 2019 ارتفعت إلى 59.2%.
وفي 2020 وصلت إلى 64.8%، وهي من أعلى النسب في العقود الأخيرة.
وفي 2021 انخفضت إلى 44.6%.
وفي 2022 ارتفعت مجددًا إلى 53.2%.
أما المشاركة العامة في انتخابات 2022 فبلغت نحو 70.6%، أي أن الفجوة بين المشاركة العامة والعربية كانت نحو 17 نقطة مئوية.
ماذا تقول لنا الأرقام؟
الأرقام تعطينا رسالة مهمة: انخفاض المشاركة العربية ليس ظاهرة ثابتة.
فلو كان العزوف ثابتًا، لما ارتفعت المشاركة إلى 64.8% عام 2020، ولما انخفضت إلى 44.6% عام 2021، ثم ارتفعت مجددًا إلى 53.2% عام 2022.
وهذا يعني أن هناك عوامل سياسية واجتماعية وتنظيمية تؤثر في قرار المواطن.
ومن هنا، ربما علينا أن نغيّر السؤال.
بدل أن نسأل: لماذا لا يصوت المواطن العربي؟
علينا أن نسأل: ما الذي يجعل المواطن العربي يشعر بأن صوته مهم، وأن مشاركته يمكن أن تحدث فرقًا؟
الحوار مع المترددين
أعتقد أن أحد أهم التحديات أمامنا اليوم هو الوصول إلى المواطن المتردد.
الحوار معه يجب ألا يكون قائمًا على الضغط أو محاولة فرض موقف سياسي عليه، وإنما على الاستماع والفهم والإقناع.
علينا أن نسأله: ما الذي جعلك تفقد الثقة؟ وما الذي يجعلك تفكر في عدم التصويت؟ وما الذي يمكن أن يعيد إليك الشعور بأن صوتك مؤثر؟
فالمواطن الذي لا يصوت ليس بالضرورة غير مهتم بمجتمعه. أحيانًا يكون العزوف رسالة احتجاج، أو نتيجة فقدان ثقة، أو شعور بعدم القدرة على التأثير.
كيف نرفع المشاركة؟
رفع نسبة التصويت لا يمكن أن يكون حملة انتخابية تبدأ قبل الانتخابات بأسابيع فقط.
نحن بحاجة إلى مشروع مجتمعي طويل الأمد تشارك فيه الأحزاب، والسلطات المحلية، والمؤسسات المدنية والتربوية، والقيادات الاجتماعية، والشباب والنساء.
نحتاج إلى تعزيز ثقافة المشاركة، والوصول إلى الشباب، وفتح حوار مستمر مع المترددين، وشرح العلاقة بين المشاركة الانتخابية وبين القرارات التي تؤثر في التعليم والاقتصاد والسلطات المحلية والبنية التحتية والخدمات العامة ومستقبل المجتمع.
من 53.2% إلى 60% أو 65%
في انتخابات 2022 بلغت المشاركة العربية 53.2%.
فماذا لو استطعنا رفعها إلى 60% أو 65%؟
الحديث هنا ليس فقط عن زيادة عدد الأصوات، وإنما عن زيادة القوة السياسية والاجتماعية للمواطن العربي، وعن توسيع دائرة المشاركة في صناعة القرار.
وتشير دراسة استطلاعية حديثة لمركز موشيه ديان إلى أن نسبة المشاركة المتوقعة في انتخابات 2026 قد تبلغ نحو 53% إذا خاضت الأحزاب العربية الانتخابات بصورة منفصلة، مقابل 67% في سيناريو افتراضي لإعادة تشكيل القائمة المشتركة. وهذه أرقام استطلاعية وليست نتائج انتخابية، لكنها تعطي مؤشرًا مهمًا على أثر الوحدة السياسية في الحافزية الانتخابية.
المشاركة ليست انتصارًا لحزب على حزب
من المهم أن نؤكد أن الدعوة إلى المشاركة ليست دعوة للتصويت لحزب معين.
المشاركة أوسع من الأحزاب.
يمكن للمواطن أن يختار القائمة التي يراها مناسبة، أو أن يختلف مع جميع القوائم، لكنه في النهاية يستطيع أن يمارس حقه في الاختيار.
لذلك فإن رفع المشاركة العربية يجب أن يكون مشروعًا مدنيًا ومجتمعيًا، وليس مشروعًا حزبيًا فقط.
كلمة أخيرة
تاريخ المشاركة العربية منذ التسعينيات وحتى انتخابات 2022 يعلمنا أن النسبة يمكن أن ترتفع ويمكن أن تنخفض، وأن المواطن العربي ليس بعيدًا عن السياسة بطبيعته.
المطلوب هو أن نعيد إليه الإحساس بأن صوته مهم.
أن نصل إلى المتردد.
أن نستمع إليه.
أن نحاوره.
وأن نقنعه بأن المشاركة ليست مجرد اختيار في صندوق، وإنما وسيلة للتأثير في المستقبل.
إن الوصول من 53.2% إلى 60% أو 65% ليس مجرد هدف رقمي، بل يمكن أن يكون خطوة نحو مجتمع أكثر حضورًا وتأثيرًا في صناعة القرار.
الصوت حق، والصوت مسؤولية، والصوت أداة للتأثير.
بقلم: د. غزال أبو ريا
المصادر:
لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، الكنيست الإسرائيلي، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ومركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio