مقالات

الشجارات العائلية: إلى متى تحصد الأرواح؟

صالحa نجيدات 09:11 23/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

الشجارات العائلية: إلى متى تحصد الأرواح؟

مرة أخرى تستيقظ مجتمعاتنا على خبر مؤلم عن أرواح أُزهقت بسبب شجار كان من الممكن، لو احتكم أصحابه إلى العقل والحكمة، أن ينتهي بكلمة طيبة أو جلسة صلح. فقد قُتل، بحسب ما تناقلته الأخبار، أب وابنه في بلدة سلوان في القدس، في سياق شجار عائلي، ثم انتهى الأمر بمقتل قريب لهما برصاص الشرطة. إنها مأساة جديدة تطرح علينا سؤالا كبيرا ومؤلما: إلى متى ستبقى الشجارات العائلية تحصد الأرواح وتترك خلفها عائلات مفجوعة وأطفالا يتامى وأمهات ثكالى؟

عندما يختلف شخصان من عائلتين مختلفتين، لماذا لا يبقى الخلاف محصورا بين الشخصين؟ لماذا يتحول خلاف فردي في بعض الأحيان إلى صراع بين عائلتين، ثم إلى مواجهة يشارك فيها الأبناء والأقارب والجيران؟ وما الهدف من هذا التدخل؟ هل هو الإصلاح وإطفاء نار الفتنة، أم إشعالها؟ وهل يأتي المتدخلون من أجل التهدئة والحوار، أم من أجل استعمال القوة والانتقام؟

إن من أخطر ما نشهده أن البعض لا يفكر في الحوار إلا بعد أن تقع الكارثة، ولا يبحث عن الصلح إلا بعد سقوط قتيل أو أكثر. فلماذا لا نبدأ من حيث ننتهي؟ لماذا لا يكون الحوار هو الخيار الأول بدلا من أن يكون الحل الأخير بعد سفك الدماء؟ أليس من الأفضل أن نجلس إلى طاولة الحوار قبل أن نجتمع في بيوت العزاء والمحاكم والمستشفيات؟

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ما الهدف من استعمال القوة لحل الخلافات بين أبناء البلد الواحد، والجيران الذين تجمعهم علاقات طويلة، وقد تربط بينهم أيضاً صلات القربى والنسب والمصاهرة؟ هل الهدف هو إثبات الرجولة؟ وأية رجولة في حمل السلاح وإطلاق الرصاص على إنسان يعرفه صاحبه، وربما تربى معه أو أكل معه وشرب معه؟

إن الرجولة الحقيقية ليست في إطلاق النار، بل في ضبط النفس. الرجولة ليست في الانتقام، بل في القدرة على التسامح والعفو. والقوة الحقيقية ليست في أن تستطيع قتل خصمك، وإنما في أن تستطيع السيطرة على غضبك عندما تكون قادرا على الانتقام.

وعلينا أن نسأل: ماذا تريد العائلات المتخاصمة أن تحقق من هذه الشجارات؟ هل تريد أن تعاقب بعضها بعضا؟ وهل تفكر في النتائج المدمرة التي ستترتب على ذلك؟ قتيل يقابله قتيل، ثم سجن، وثأر، وحقد، وخوف، وقطيعة تمتد سنوات طويلة، وقد يرثها الأبناء والأحفاد. فما الذي ربحه الجميع في النهاية؟ لا شيء سوى الألم والدمار.

أين العقلاء في هذه اللحظات؟ أين كبار العائلات؟ أين رجال الإصلاح؟ أين الأئمة والمعلمون وأصحاب الكلمة المسموعة؟ إن مسؤوليتهم عظيمة في التدخل المبكر قبل أن تتحول الكلمات إلى أيدٍ، والأيدي إلى أسلحة، والأسلحة إلى دماء.

ثم لماذا يُستعمل الرصاص الحي القاتل في شجار بين أبناء المجتمع الواحد؟ هل أصبح السلاح وسيلة عادية لحل أبسط الخلافات؟ وهل هذه رجولة؟ إن السلاح الذي يُرفع في وجه ابن البلد والجار والقريب ليس دليلا على القوة، بل هو دليل على فقدان السيطرة على العقل والغضب.

لقد أوصانا الله بحفظ النفس، وحسن الجوار، وإصلاح ذات البين. فكيف يمكن لمن يعتدي على جاره أو يهدد قريبه أو يقتل إنسانا بغير حق أن يدعي احترامه لهذه القيم؟ قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾. وجاء في الحديث الشريف: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

إننا بحاجة إلى أن نفهم أن العبادة ليست طقوسا منفصلة عن الأخلاق والسلوك والمعاملات. فالصلاة يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يجب أن يربي النفس على الصبر وضبط الغضب، والحج والعمرة يجب أن يذكرا الإنسان بحرمة الدماء ووحدة الناس. فكيف يستقيم أن يؤدي الإنسان عباداته ثم يعتدي على جاره أو يشارك في سفك الدماء؟

إن احترام الإنسان، وحفظ النفس، وإكرام الجار، وإصلاح ذات البين، ليست أمورا ثانوية في ديننا وحياتنا، بل هي من أعظم القيم التي تحفظ المجتمع من الانهيار. وإذا فقد المجتمع هذه القيم، فلن تنفعه كثرة الشعارات ولا كثرة الكلام عن الأخلاق.

إن الشجارات العائلية ليست مشكلة تخص عائلة واحدة، بل هي خطر على المجتمع كله. وكل قطرة دم تسيل بسبب خلاف كان يمكن حله بالحوار هي خسارة لنا جميعا. لذلك لا بد من العمل على نشر ثقافة الحوار، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمسجد ولجان الإصلاح، ومواجهة ثقافة العنف والسلاح قبل أن تحصد مزيداً من الأرواح.

إلى متى سننتظر حتى يقع قتيل جديد ثم نقول: يا ليتنا تدخلنا قبل فوات الأوان؟

لقد حان الوقت لأن نقول بصوت واضح: لا شرف في الانتقام، ولا رجولة في القتل، ولا قوة في إرهاب الناس. القوة الحقيقية هي في العقل، والحكمة، وضبط النفس، والعفو، وإصلاح ذات البين.

فهل نتعلم قبل أن تتحول بيوت أفراحنا إلى بيوت عزاء؟ وهل نختار الحوار قبل الرصاص، والعقل قبل الغضب، والصلح قبل الموت؟

حفظ الله مجتمعنا من الفتن والعنف، وهدى أبناءنا إلى طريق العقل والحكمة، وصان الدماء والأرواح من عبث الغضب والحقد والكراهية.

الدكتور صالحa نجيدات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio