في وطننا العربيّ، نهرٌ عظيمٌ يجري. نسمّيه "الأدب العربيّ"، لكنّه ليسَ ماءً واحداً. هو نهرٌ تتدفّقُ فيه روافدٌ عديدة: أمازيغيةٌ، أرمنيةٌ، تركمانيةٌ، درزيةٌ، قبطيةٌ، حسانيةٌ. كلُّ رافدٍ يحملُ لونَهُ وطعمَهُ وسرَّهُ.
الأمازيغيّ: صوتُ الأرضِ الأصليّ
قبلَ أنْ تصلَ العربيةُ إلى المغربِ والجزائرِ، كانتْ هناكَ تامازغا — أرضُ الأمازيغِ. وما زالُ الأمازيغيُّ يُنشدُ الإزلي — ذلك الشعرُ العاطفيّ الذي يُرسلُهُ العاشقُ إلى حبيبتهِ عبرَ الجبالِ. ويُسمّي النجمَ "أيور" والقمرَ "أغراس".
لعقودٍ طويلةٍ، كانَ صوتُهُ مُهمَّشاً. لكنّهُ اليومَ يكتبُ الروايةَ والقصةَ القصيرةَ، ويُدرَّسُ في المدارسِ. فالمغربُ — في دستورِهِ لعام ٢٠١١ — اعترفتْ بالأمازيغيةِ كلغةٍ رسميةٍ. ليستْ هذه مجردَ لغةٍ، بل اعترافٌ بأنَّ التنوعَ ليسَ عيباً، بل عِزّاً.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });الأرمنيّ: صوتُ الذاكرةِ الصامدةِ
في شوارعِ حلبَ وبيروتَ والقاهرةَ، عاشَ الأرمنُ قروناً طويلةً. يحملونَ في صدورِهمْ سرّاً ثقيلاً: المذبحةُ التي حاولتْ محوَهمْ من الوجودِ. لكنّهمْ — بدلاً من أنْ يذوبوا في البحرِ العربيّ — أصبحوا جزءاً من موجِهِ.
نزار قباني — الشاعرُ السوريّ — كانَ من أصلٍ أرمنيّ. وأمين معلوف — الروائيُّ اللبنانيّ-الفرنسيّ — يكتبُ بالفرنسيةِ لكنّ روحَهُ أرمنيةٌ-عربيةٌ. والأرمنيُّ اليومَ يُحافظُ على لغتِهِ في كنائسِهِ ومدارسِهِ، ليسَ رفضاً للانتماءِ، بل إثباتاً أنَّ الانتماءَ لا يعني الذوبانَ.
التركمانيّ: صوتُ المقاومةِ اللطيفةِ
في كركوكَ والموصلِ، يعيشُ التركمانُ. لغتُهمْ قريبةٌ من التركيةِ، وشعرُهمْ الشعبيُّ — الحوريات — قصائدُ قصيرةٌ ذاتُ أربعةِ أبياتٍ تُنشدُ في الأعراسِ.
عانوا من سياساتِ التهميشِ: في عهدِ صدامَ حُظِرَتْ مطبوعاتُهمْ. لكنّهمْ — كما النهرِ الذي لا يتوقّفُ — ظلّوا يُنشدونَ. واليومَ، الدستورُ العراقيُّ يعترفُ بحقِّهمْ في تعليمِ أطفالِهمْ بلغتِهمْ. صوتُهمْ ليسَ صراخَ ثأرٍ، بل همسَ بقاءٍ.
الدروز: صوتُ السرِّ والسياسةِ
في جبالِ السويداءَ وجبلِ العربِ، يعيشُ الدروزُ. لهمْ شعرٌ غنيٌّ يعودُ إلى مئاتِ السنين: مدائحُ للحدودِ الخمسةِ، والعسكريات — قصائدُ تتخيَّلُ جيوشاً قادمةً من المشرقِ لإقامةِ العدلِ.
وفي العصرِ الحديثِ، قدَّمَ سميح القاسم — الشاعرُ الفلسطينيّ الدرزيّ — صوتاً فلسطينياً أصيلاً إلى جانبِ محمودِ درويشَ. الدروزُ يحملونَ سرّاً دينياً عميقاً، لكنّهمْ — حينَ يكتبونَ — يُثبتونَ أنَّ الخصوصيةَ ليستْ انعزالاً، بل تنوعاً ينضجُ بالمشاركةِ.
القبطيّ: صوتُ مصرَ الأصليّ
قبلَ أنْ تُكتبَ العربيةُ على ورقِ البرديّ، كانتْ هناكَ القبطيةُ — لغةُ الفراعنةِ بخطٍّ يونانيّ. اليومَ، هي لغةٌ طقسيةٌ في الكنيسةِ. لكنّ عالِمينَ ومشروعاتٍ رقميةً — كـ Coptic Scriptorium — تحفظُ ملايينَ الكلماتِ القبطيةِ.
القبطيُّ لا يصرخُ مطالباً بالعودةِ. بل يُهمسُ: "مصرُ كانتْ هنا قبلَ أنْ تكونَ مصرَ التي تعرفونَها. وصوتُنا — وإنْ صارَ طقسياً — ما زالَ شاهداً على عمقِ هذا الوطنِ".
الحسانيّ: صوتُ الصحراءِ والصوفيةِ
في رمالِ موريتانياَ والصحراءِ الغربيةِ، يعيشُ الحسانيونَ. شعراؤُهمْ — الإكيو — لا يكتبونَ، بل يُنشدونَ من الذاكرةِ. الغزرةُ والكناوةُ قصائدُ مدحٍ وسردٍ تاريخيٍّ.
هؤلاءِ البدوُّ يحملونَ في ألسنتِهمْ صوفيةً عميقةً. شعرُهمْ ليسَ للكتابِ، بل للنارِ والليلِ والمجلسِ. همُّ يُذكِّرونَنا بأنَّ الأدبَ ليسَ دائماً حروفاً على ورقٍ، بل نسمةً في الهواءِ الطلقِ.
النهرُ الواحدُ
أيُّها القارئُ، إذا نظرتَ إلى هذا النهرِ العربيّ، فلا ترَ الماءَ الرئيسَ فحسبْ. انظرْ إلى الروافدِ: الأمازيغيَّ يُضيفُ عمقَ الأرضِ، والأرمنيَّ يُضيفُ ذاكرةَ الصمودِ، والتركمانيَّ يُضيفُ لحنَ المقاومةِ، والدروزَ يُضيفونَ سرَّ السياسةِ، والقبطيَّ يُضيفُ شاهدَ التاريخِ، والحسانيَّ يُضيفُ روحَ الصحراءِ.
هذا التنوعُ لا يُضعفُ الأدبَ العربيّ. بل يُغنيه. فكما أنَّ النهرَ الكبيرَ يستمدُّ قوتَهُ من روافدِهِ، كذلك يستمدُّ المشهدُ الثقافيُّ العربيُّ عمقَهُ من هذه الأصواتِ المتعددة.
فلنحتفِظْ بروافدِنا. فإذا جفَّتْ، جفَّ النهرُ.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio