مقالات

اتفاقية فائض الأصوات: الخطوة الشجاعة نحو وحدة الصف وتهذيب الخطاب السياسي العربي

محمد دراوشة 10:36 20/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

تأتي الدعوة لتوقيع اتفاقية فائض الأصوات بين القائمة العربية الموحدة من جهة، وبين القائمة المشتركة التي تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير من الجهة الثانية، في لحظة سياسية دقيقة وحساسة. فنحن اليوم، وبعد يوم واحد فقط من الإعلان عن إقامة القائمة المشتركة بصيغتها الجديدة، وقبل تشكيل قائمة المرشحين النهائية في القائمة العربية الموحدة، نقف أمام مرحلة مفصلية لا يفصلنا عنها سوى شهرين تقريباً من يوم الانتخابات. هذا التوقيت يجعل من كل خطوة سياسية محسوبة ضرورة وطنية، ويمنح هذه الدعوة أهمية مضاعفة في المشهد السياسي العربي داخل الخط الأخضر.

في هذه المرحلة المبكرة نسبياً، حيث تتشكل القوائم وتُعاد الحسابات، يصبح منع هدر الأصوات هدفاً مركزياً. اتفاقية فائض الأصوات ليست مجرد إجراء تقني، بل هي أداة استراتيجية تضمن أن كل صوت عربي سيُستثمر بأقصى قدر ممكن، وأن أي فائض في الأصوات سيعود بالنفع على إحدى القوائم العربية بدل أن يذهب هباءً أو يُستغل لصالح قوى سياسية لا تمثل مجتمعنا ولا مصالحه. إن ضمان استثمار كل صوت هو خطوة أساسية نحو تعزيز التمثيل العربي، وزيادة القدرة على التأثير في السياسات العامة، وحماية الحقوق المدنية والسياسية لمجتمعنا.

لكن أهمية الاتفاقية لا تتوقف عند الجانب التقني، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي داخل مجتمعنا. فمع اقتراب الحملات الانتخابية، تزداد احتمالات التوتر بين نشطاء الأحزاب، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتصاعد لغة الاتهامات والتخوين والتكفير. هذا الخطاب، الذي بات للأسف جزءاً من المشهد السياسي في السنوات الأخيرة، لا يخدم أحداً، بل يثير الاشمئزاز في قلوب جمهور واسع غير منتمٍ حزبياً، ويخلق حالة من النفور من العمل السياسي، ويضعف الرغبة في المشاركة في يوم الانتخابات.

إن الحملات الدعائية للقائمتين يجب أن تخلو تماماً من خطاب التخوين أو خطاب التكفير. فهذان الخطابان، مهما حاول البعض تبريرهما، هما خطابان مقززان، يضران بالنسيج الاجتماعي، ويُضعفان ثقة الناس بالعملية السياسية، ويحوّلان الانتخابات من فرصة للتعبير الديمقراطي إلى ساحة صراع لا أخلاقي. إنهما خطابان يهدفان إلى كبت المشاركة بدل تحفيزها، ويؤديان إلى إحباط العزيمة، ومن هناك تتدنى الدافعية للتصويت، وتتراجع نسبة المشاركة، ويخسر المجتمع العربي فرصة ثمينة لتعزيز قوته السياسية.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

في المقابل، المحفزات الإيجابية تنجح أكثر في إخراج الناس من بيوتها للتصويت. الخطاب الذي يحترم الناس، ويُشعرهم بأن صوتهم مهم، وأن مشاركتهم جزء من مشروع جماعي، هو الخطاب الذي يرفع نسبة التصويت، ويزيد من حماس الجمهور، ويخلق شعوراً بالانتماء والمسؤولية. الخطاب الإيجابي هو الذي يفتح الباب أمام مشاركة واسعة، ويعزز الثقة بين الجمهور والقيادات السياسية، ويُظهر أن الأحزاب العربية قادرة على العمل المشترك عندما تتطلب المرحلة ذلك.

اتفاقية فائض الأصوات، في هذا السياق، ليست مجرد خطوة تقنية، بل هي رسالة تهدئة مبكرة، تقول للجمهور إن الخلافات بين الأحزاب ليست خلافات وجودية، وإن هناك قدرة على التعاون رغم التباينات. هذه الرسالة ضرورية قبل اشتداد الحملات الانتخابية، لأنها تمنع التوتر المتوقع بين النشطاء، وتحدّ من التراشق الكلامي، وتعيد النقاش السياسي إلى مساره الطبيعي القائم على الاحترام المتبادل، لا على التخوين أو التشكيك.

كما أن الاتفاقية تساهم في خلق مناخ تسامح داخل المجتمع العربي، وهو مناخ ضروري قبل دخول مرحلة التعبئة الجماهيرية، حيث تبدأ اللقاءات الميدانية والندوات والزيارات للبلدات العربية. وجود اتفاقية فائض أصوات قبل انطلاق هذه المرحلة يخلق حالة من الارتياح بين الجمهور، ويُظهر أن التعددية داخل المجتمع العربي ليست سبباً للانقسام، بل جزءاً من حيوية العمل السياسي. هذا المناخ الإيجابي يعزز المشاركة، ويزيد من احتمالات انخراط الناس في النشاطات الانتخابية، خصوصاً في يوم الانتخابات نفسه.

إن الدعوة لتوقيع اتفاقية فائض الأصوات في هذا التوقيت بالذات هي إعلان نوايا سياسية، ورسالة وحدة، ودعوة للتسامح، وأداة لتعزيز القوة العربية في مرحلة حساسة. إنها خطوة تعكس نضجاً ومسؤولية، وتفتح الباب أمام مرحلة انتخابية أكثر هدوءاً، وأكثر تركيزاً، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات التي تنتظر مجتمعنا العربي.

وفي النهاية، فإن نجاح مجتمعنا في هذه المرحلة لا يعتمد فقط على الاتفاقيات بين الأحزاب، بل أيضاً على نوعية الخطاب الذي نختاره، وعلى قدرتنا على احترام بعضنا البعض، وعلى إيماننا بأن الاختلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى خلاف اجتماعي. إننا بحاجة إلى خطاب يرفع الناس، لا يجرحهم؛ يحفزهم، لا يحبطهم؛ يوحدهم، لا يفرقهم. هذا هو الطريق نحو مشاركة سياسية واسعة، ونحو مستقبل أفضل لمجتمعنا العربي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio