كاتب المقال: رئيس مركز أمان، د. كامل ريان
منذ أكثر من عشرين عامًا وأنا أتابع صعود الصهيونية الدينية داخل دولة إسرائيل، وأتوقف عند سؤال أساسي: كيف استطاعت أقلية أيديولوجية ودينية أن تتحول إلى قوة مؤثرة في مؤسسات الدولة والأحزاب وأجهزة الأمن ومفاصل القرار، رغم أنها ليست الأكثرية؟ وصلت إلى قناعة أن السر لم يكن في العدد، بل في التنظيم والمأسسة والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
بعد الانسحاب من غزة عام 2005، أدركت الصهيونية الدينية أن مواجهة الدولة من الخارج لا تكفي، وأن الطريق الأكثر فاعلية هو التغلغل في مؤسساتها ومفاصلها وصناعة القرار من الداخل. فبدأت عملية منظمة لبناء الكوادر، وتعزيز الحضور في الأحزاب والمؤسسات وأجهزة الدولة والأمن، وتشكيل شبكات اجتماعية وفكرية ودينية تعمل في اتجاه واحد. لم يكن الأمر مجرد تحرك سياسي عابر، بل مشروعًا طويل النفس لبناء النفوذ.
وهنا تكمن القاعدة التي أراها واضحة: الأقلية المنظمة تستطيع أن تتغلب على الأكثرية المبعثرة. فالأكثرية قد تمتلك العدد، لكنها إذا افتقدت الرؤية المشتركة والتنسيق والمؤسسات المتكاملة، فإن وزنها الحقيقي يبقى محدودًا. أما المجموعة الصغيرة المنظمة، فتستطيع أن تجعل تأثيرها أكبر بكثير من حجمها.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وهذه القاعدة تنطبق بصورة مؤلمة على واقعنا العربي. فنحن لسنا أقلية قليلة العدد أو قليلة الكفاءات، بل لدينا طاقات بشرية وأكاديمية واقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة. لكن مشكلتنا الأساسية هي ضعف التنظيم ومحدودية التنسيق، وتشتت المؤسسات والمبادرات، وكثرة العمل المنفرد على حساب بناء منظومة متكاملة.
ومن هنا يمكن فهم أحد أسباب تمدد الجريمة المنظمة في مجتمعنا. عصابات الإجرام أقلية صغيرة قياسًا إلى المجتمع، لكنها أكثر تنظيمًا وهيكلة؛ لديها تسلسل هرمي، وشبكات مالية، وتقسيم أدوار، وقدرة على الحركة السريعة واستثمار التكنولوجيا والعلاقات. ولذلك استطاعت مجموعات صغيرة أن تفرض نفوذها على مجتمعات أكبر منها بكثير.
المفارقة أن لدينا في الجانب الآخر مؤسسات وطنية واجتماعية وأكاديمية كثيرة، لكنها في أحيان كثيرة تعمل منفردة، وأحيانًا تتنافس بدل أن تتكامل. وهنا تتحول الكثرة إلى ضعف، بينما تتحول الأقلية المنظمة إلى قوة. لذلك أعتقد أننا أمام صورتين خطيرتين: قوى أيديولوجية منظمة نجحت في التقدم إلى مفاصل الدولة والتأثير في اتجاهاتها، وقوى إجرامية منظمة نجحت في التقدم إلى مفاصل المجتمع العربي والسيطرة على أجزاء من اقتصاده وجغرافيته وأمنه. وبين الصورتين درس واحد لا يجوز تجاهله: التنظيم يصنع القوة.
لسنا بحاجة إلى أن نتفق في كل شيء، ولا إلى إلغاء اختلافاتنا السياسية والفكرية، لكننا بحاجة إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم بعضنا، وكيف نتنافس دون أن نتحول إلى خصوم، وكيف نجعل مؤسساتنا تكمل بعضها بعضًا بدل أن تتصارع.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الجريمة أو التمييز أو السياسات الحكومية؛ إنها أيضًا مع تفككنا التنظيمي. نحتاج إلى مأسسة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإعلامي، وإلى إعداد قيادات وكفاءات تعمل وفق رؤية طويلة المدى، لا وفق ردود الأفعال.
لقد أثبتت التجربة أن العدد وحده لا يصنع القوة. قد تهزم مجموعة صغيرة منظمة مجتمعًا كبيرًا مبعثرًا، وقد ينهض مجتمع كبير عندما يكتشف سر قوته الحقيقي: أن ينظم نفسه. السر ليس في أن نكون أكثر عددًا… بل في أن نكون أكثر تنظيماً.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio