خاطرة

العشق البطولي بين محمود درويش وماجدة الرومي

حمرة البشتاوي 15:31 15/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

تعزف نبضات القلوب لحنًا ذا معنى خاص كلما كان الشاعر محمود درويش يلتقي بالفنانة ماجدة الرومي، وهما كانا يصرّان على أن تبقى المسافة بينهما قريبة جدًا في كل لقاء، بما يسمح للعيون أن تقول كل ما تريد، خاصة في مدينة بيروت التي تتفتح فيها أزهار الحكايات ما بين الشعر والغناء، وما بين الصوت والقصيدة، كجناحين لقصة حب واحدة تجمع الكلمة بالصوت الذي يجعلها أكثر دفئًا وامتلاءً.

كانت الفنانة ماجدة الرومي معجبة ومفتونة بشعر محمود درويش، الذي كان يشبه شكله شكل القصيدة بكامل أناقتها. وكانت ترى في صمته الكثير من الأسئلة والأجوبة عن الحب، الذي هو ليس حكاية إنسانية فقط، بل هو وطن وذاكرة وغياب وحنين إلى شيء لا نعرف دائمًا ماذا نسميه. وكانت تقول إن محمود درويش بالنسبة إليها هو ملاك بشعره وبكل تفاصيله، وتعتبره قطعة من قلبها.

ولم يكن محمود درويش ينظر إلى ماجدة الرومي كمغنية فحسب، بل كملاك من ذهب يحمل قصيدته إلى الناس، وكشريكة في كتابة المعنى والمشاوير الحالمة. وكانا قد اكتشفا في الصمت لغة مشتركة تجعل الابتسامة لا تفارق عيني الفنانة، التي كان ينظر إليها الشاعر كأنها أجمل من القصائد والصور الشعرية التي يبحث عنها ما بين الحقيقة والخيال، برقة وإعجاب. مع التأكيد أن هذا الإعجاب ارتبط أولًا بالصوت قبل الصورة، وبالروح قبل الملامح.

وكانت ماجدة الرومي تنظر إلى محمود درويش باعتباره شاعرًا تحمل وطنًا كاملًا في لغته وحضوره، وفي ما كتبه عن الحب الذي فقده قبل أن يمتلكه قلبه الذي يبحث دائمًا عن مكان كي يستريح. وفي بحثه وشعره بقي جارًا للبحر والشمس، وهي بقيت في صوتها جارة الليل والسهر، وفي ليالي العشق البطولي تلتحم الآهات والأمواج والزبد.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

معظم اللقاءات بين محمود درويش وماجدة الرومي كانت تحصل في بيروت، المدينة التي لا تعترف بالحدود ما بين الشعر والموسيقى والغناء، ولا ما بين الحب والحنين. فهي مدينة يمكن أن تبدأ فيها الحكاية بقصيدة وتنتهي بأغنية تبقى معلقة في الذاكرة واحتمالات الخيال، دون أن نعرف ما إذا كانت هناك قصة حب، أم إعجاب، أم مجرد أُلفة نادرة بين روحين التقيا عند قمة الفن واللغة والإبداع.

لا أعتقد أن محمود درويش قد قال لماجدة الرومي ما كانت تتمنى أن تسمعه، ولا هي قالت ما كان ينتظر أن يسمعه. فالصمت كان سيد اللقاءات، وأكثر حميمية من أي كلام. وكل ما عرفه الناس أنه كان يمنح الكلمات جسدًا من الحبر، وهي تمنحها قلبًا من الصوت.

وهذا ما رأيناه في غناء ماجدة الرومي لمقاطع من قصيدة «مديح الظل العالي»، حيث رأى محمود درويش قصيدته أمامه، ورأى صوتها يقترب أكثر من عالمه الداخلي. وهو الذي، كلما نظر إليها، يحاول التقاط قصيدة جديدة، وهي تنظر إليه لمعرفة ما أخفته قصائده، وتبحث عن شيء لا يراه الآخرون.

وعندما يطيل النظر إليها، كان يرى في صوتها الكريستالي الجميل قدرة نادرة تجعل الكلمة تشعر بأنها تولد من جديد حين تُغنّى. وكانت هي ترى في شعره كل الشعر، وفي تجربته لغة تصل إلى كل العالم، دون أن تفقد معناها وعمقها وجمالها وسحرها الذي يدهش القلب والوجدان.

في مكالمة هاتفية قديمة، قال لي صديقي الشاعر سليم النفار، الذي استشهد هو وعائلته وشقيقه سلامة وعائلته في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وبقيت جثامينهم تحت الركام، إنه شاهد صورة تجمع بين محمود درويش وماجدة الرومي، وفيها ما يفتح الباب على الكثير من الكلام. لكن الأهم، برأيه، هو ربط أي قصة من الواقع أو من الخيال بالإنسان الفلسطيني الذي يبحث دائمًا عن الحرية والكرامة والخلاص من الاحتلال.

بعيدًا عن هذه الصورة وما قيل عنها، فإن الإعجاب بينهما ارتبط بالفن والروح والموهبة، وكان كل لقاء بينهما طافحًا بالحب، وفي منتصف المسافة الجميلة ما بين الشعر والغناء.

ويُعتقد أن مدينة بيروت وحدها تعرف ما هو الجزء الناقص من الحكاية، المليئة بالمحبة الخائفة من أن تتحول إلى كلمة فتفقد جمالها. ولهذا اكتفى محمود درويش بأن يقول:

«صباحك فاكهة الأغاني

وهذا المساء ذهب

ونحن لنا حين ندخل ظلًا إلى ظله في الرخام

وأشبه نفسي حين أعلّق نفسي

على عنق لا تعانق غير الغمام

وأنت الهواء الذي يتعرّى أمامي كدمع العنب

وأنت بداية عائلة الموج حين تشبث بالبئر

حين أغترب

وأني أحبك، أنت بداية روحي وأنت الختام. »

كاتب وإعلامي

حمرة البشتاوي

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio