عندما تتعرض تجربة سياسية لحملات متزامنة من جهات تختلف في كل شيء تقريبًا، يصبح من الطبيعي أن يتوقف الإنسان قليلًا ليتساءل: ما الذي يجعل هذه التجربة موضع كل هذا الجدل؟ فليس كل هجوم دليل نجاح، وليس كل نقد ظلمًا، لكن تلاقي الخصوم على استهداف تجربة واحدة يستحق التأمل، لأنه يكشف أن المسألة قد تتجاوز الأشخاص والقرارات إلى ما تمثله تلك التجربة من حضور وتأثير، وإلى ما يمكن أن تفتحه من أبواب جديدة في العمل السياسي العربي.
لقد أصبحت الحركة الإسلامية، والقائمة العربية الموحدة، والدكتور منصور عباس، خلال السنوات الأخيرة، عنوانًا لجدل سياسي واسع. فمن جهة، يهاجمها اليمين الإسرائيلي المتشدد، ويضعها في دائرة الشك والريبة، ومن جهة أخرى تتعرض لانتقادات حادة من أطراف عربية ترى أن هذا المسار السياسي لا ينسجم مع قناعاتها الوطنية أو مع تصورها لطبيعة العمل السياسي الفلسطيني. وبين هذين الخطابين تقف التجربة نفسها في مواجهة روايتين مختلفتين، بل متناقضتين في كثير من الأحيان، لكنهما تلتقيان أحيانًا عند نتيجة واحدة: التشكيك في شرعية التجربة، والطعن في أصحابها، وتحويل الخلاف حول الطرح السياسي إلى معركة حول الأشخاص.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا نناقش الشخص قبل أن نناقش الفكرة؟ ولماذا يصبح صاحب الطرح هو القضية، بدل أن يكون الطرح نفسه هو القضية؟ أليس من حق أي سياسي أو حركة أو قائمة أن تُناقش أفكارها وبرامجها ومواقفها ونتائجها، بعيدًا عن النيات المسبقة والأوصاف الجاهزة؟ فإذا كان الطرح خاطئًا، فلنواجهه بالحجة، وإذا كانت السياسة فاشلة، فلنثبت فشلها بالأرقام والنتائج، وإذا كان الخيار السياسي غير مناسب، فلنقدم خيارًا أفضل. أما تحويل النقاش إلى تشهير بالشخص أو تخوينه، فإنه لا يثبت خطأ الفكرة، وإنما يكشف عجزًا عن مواجهتها.
والأكثر إثارة للتساؤل أن جزءًا كبيرًا من هذه المنظومة السياسية لم يصل إلى الناس من خلال تعيينات مغلقة، ولا عبر توصيات فوقية، ولا من خلال مؤامرات خلف الأبواب، وإنما وصل إلى المؤسسات السياسية عبر صندوق الانتخابات، ومن خلال منافسة سياسية مفتوحة، وبأصوات ناخبين يعرفون ماذا يختارون، ويملكون في الوقت نفسه الحق الكامل في تغيير اختيارهم في الانتخابات التالية.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصراحة: هل نحترم الديمقراطية فقط عندما تأتي نتائجها بما نريد؟ أم أننا نحترمها أيضًا عندما تنتج خيارات سياسية لا نوافق عليها؟
إذا كان لدينا اعتراض على الحركة الإسلامية أو على القائمة العربية الموحدة أو على الدكتور منصور عباس، فإن الطريق الديمقراطي الطبيعي ليس إلغاءهم، ولا تخوين جمهورهم، ولا التشكيك في كل من يصوت لهم، وإنما تقديم مشروع سياسي أكثر إقناعًا، والدخول إلى المنافسة الانتخابية، وإقناع الناس بالتصويت للبديل. فالديمقراطية لا تعني أن يفوز من نحب دائمًا، وإنما تعني أن نقبل بما يختار الناس، وأن نحتكم إلى الصندوق، ثم نعمل على إقناعهم بخيار آخر.
وهنا تظهر مفارقة أخرى تستحق التأمل. لماذا نهلل ونكبر عندما نرى تجارب سياسية مشابهة في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية، حيث تدخل تيارات ذات خلفيات دينية أو فكرية مختلفة إلى المجال السياسي، وتخوض الانتخابات، وتنافس على السلطة، وتشارك في صناعة القرار، ونعتبر ذلك أحيانًا دليلًا على حيوية الديمقراطية وتعددية المجتمع، بينما ننظر إلى التجربة العربية المحلية بعين مختلفة تمامًا، وكأن مجرد وجود حركة ذات خلفية إسلامية في المجال السياسي يمثل خطرًا يجب التخلص منه؟
والسؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما نتذكر أن كثيرًا من الدول الغربية التي نحتفي بتجاربها الديمقراطية كانت، تاريخيًا، جزءًا أساسيًا من السياق السياسي الذي قاد إلى مأساة الشعب الفلسطيني ونكبته، أو أسهمت سياساتها ومواقفها في تكريس الواقع الذي ما زال الفلسطينيون يدفعون ثمنه حتى اليوم. فإذا كنا قادرين على الفصل بين مواقف هذه الدول التاريخية وبين تقييمنا لمؤسساتها الديمقراطية وآلياتها السياسية، فلماذا لا نمتلك القدرة نفسها عندما يتعلق الأمر بتجربة سياسية عربية داخل مجتمعنا؟
إن المشكلة ليست في أن نختلف مع التجربه ،(ومن باب الاعتراف لدي تحفظات كثيره على التجربه )فالاختلاف حق، بل ضرورة. المشكلة في ازدواجية المعايير: أن نرى التعددية فضيلة عندما يمارسها الآخرون، ونراها تهديدًا عندما يمارسها أبناء مجتمعنا؛ وأن نعتبر المشاركة السياسية دليلًا على قوة الديمقراطية في الغرب، ثم نعتبرها تنازلًا أو خيانة عندما يمارسها تيار عربي مختلف عنا.
إن السياسة ليست معادلة جامدة، ولا تعرف طريقًا واحدًا يحتكر الصواب. والتجارب الإنسانية تؤكد أن الشعوب الحية تتقدم بتعدد مدارسها السياسية والفكرية، وأن قوة المجتمع لا تكمن في توحيد الأصوات، وإنما في قدرته على إدارة اختلافاته ضمن إطار من الاحترام والمسؤولية.
ومن حق أي مواطن أن يعارض هذه التجربة، وأن ينتقد قراراتها، وأن يناقش نتائجها، وأن يطالبها بمراجعة أخطائها. ومن حقه أيضًا أن يقول إن المشاركة السياسية بهذه الطريقة لم تحقق ما كان ينبغي أن تحققه، أو أن يطرح استراتيجية بديلة يراها أكثر فاعلية. فهذا كله جزء طبيعي من الديمقراطية. لكن ما يثير القلق هو الانتقال من نقد الأداء إلى إلغاء الوجود، ومن مناقشة السياسات إلى محاكمة النيات، ومن مواجهة الطرح إلى استهداف الشخص، وكأن المطلوب ليس تصويب المسار وإنما إنهاء التجربة وتجريد أصحابها من حقهم الطبيعي في العمل السياسي.
والأخطر من ذلك أن الاستهداف عندما يتحول من الحركة أو القائمة إلى جمهورها، يصبح استهدافًا لفكرة الديمقراطية نفسها. فمن الذي أعطى أي طرف الحق في أن يقول لعشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المواطنين: أنتم أخطأتم لأنكم اخترتم هذا التيار؟ ومن الذي يملك الحق في التشكيك في وطنية الناخب لأنه مارس حقه الديمقراطي وصوّت لقائمة لا تعجبه؟
يمكن أن نختلف مع خيارات الناس، لكن لا يجوز أن نحتقر حقهم في الاختيار.
ويمكن أن نرى أن تجربة سياسية أخطأت، لكن الطريق لتصحيح الخطأ هو إقناع الناس، لا إهانتهم.
ويمكن أن نعارض قيادة سياسية، لكن الطريق الديمقراطي لإزاحتها هو صناديق الاقتراع، لا حملات التشويه ولا التخوين.
إن التجارب السياسية لا تُقاس بحجم التصفيق لها، كما لا تُقاس بحجم الحملات التي تستهدفها، وإنما تُقاس بقدرتها على خدمة مجتمعها، وباستعدادها الدائم لمراجعة نفسها وتصحيح أخطائها، وبما تحققه من نتائج ملموسة للناس. ولذلك فإن الحركة الإسلامية والقائمة العربية والدكتور منصور عباس ليسوا فوق النقد، ولا ينبغي أن يكونوا كذلك، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا خارج قواعد المنافسة السياسية، ولا يجوز أن يُحاكموا بمعايير مختلفة عن تلك التي نحاكم بها غيرهم.
ولعل السؤال الأعمق هنا ليس: هل نتفق مع منصور عباس أم نختلف معه؟ بل: هل نحن مستعدون لمناقشة ما يطرحه منصور عباس دون أن نجعل شخصه هو القضية؟
هل نستطيع أن نقول: هذا الطرح صحيح وهذا خطأ، هذه السياسة نجحت وهذه أخفقت، هذا الموقف يحتاج إلى مراجعة، وهذا الموقف يستحق الدعم، دون أن نقفز مباشرة إلى قاموس التخوين والاتهام؟
فإذا كنا لا نستطيع ذلك، فالمشكلة ليست في منصور وحده، ولا في الحركة الإسلامية وحدها، ولا في القائمة العربية وحدها؛ المشكلة تصبح في ثقافة سياسية كاملة لم تعد تعرف كيف تختلف دون أن تلغي.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول السياسة إلى معركة كسر إرادات، بحيث يصبح إسقاط الخصم هدفًا في ذاته، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه المجتمع من وحدته وثقته بنفسه. وعندها لا يعود الناس يتنافسون في خدمة مجتمعهم، بل يتنافسون في نفي شرعية بعضهم بعضًا، فتضيع القضايا الكبرى وسط ضجيج الصراعات الداخلية.
إننا بحاجة إلى أن نتعلم من الديمقراطية ما هو أهم من الانتخابات نفسها: أن نحترم حق الآخر في أن يختلف، وأن نحترم حق الناس في أن يختاروا، وأن نحاكم الأفكار بأدوات العقل، وأن نحاسب السياسيين على أفعالهم لا على نيات نفترضها، وأن نترك للصندوق الانتخابي الكلمة الفصل في تحديد من يمثل الناس.فإذا كانت لدينا قناعة بأن تجربة ما فشلت، فلنقدم تجربة أفضل.وإذا كنا نعتقد أن قائمة ما أخطأت، فلنقنع الناس بالتصويت لقائمة أخرى.وإذا كنا نرى أن قيادة سياسية لم تعد تمثل تطلعات جمهورها، فلنخض المنافسة الديمقراطية ونقدم البديل.
أما أن نحتقر التجربة لأنها لم تأتِ من الطريق الذي نفضله، أو أن نستخف بالمنظومة السياسية كلها لأنها جاءت عبر انتخابات حرة، فذلك لا يضعف الحركة أو القائمة أو الشخص وحده، وإنما يضعف احترامنا نحن للديمقراطية التي ندعي الدفاع عنها.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: من انتصر في معركة الشعارات؟ ولا: من استطاع أن يرفع صوته أكثر في حملات التخوين؟ وإنما: أي طريق كان أكثر نفعًا للمجتمع؟ وأي خطاب حافظ على وحدته؟ وأي ممارسة أسهمت في تعزيز حضوره وقدرته على الدفاع عن حقوقه؟
فالتاريخ لا يحتفظ طويلًا بضجيج الحملات، لكنه يحتفظ بالتجارب.
والناس قد ينسون الشتائم، لكنهم لا ينسون من خدمهم.
وقد تنتهي المعارك الانتخابية، وتتغير القوائم والقيادات، لكن يبقى السؤال الأكبر: هل تعلمنا كيف نختلف دون أن نهدم بعضنا؟
فإذا نجحنا في ذلك، نكون قد انتصرنا على أخطر ما يهدد مجتمعنا: ليس اختلاف الرأي، وإنما تحويل الاختلاف إلى عداوة، وتحويل السياسة إلى تخوين، وتحويل الديمقراطية إلى حق لا نحترمه إلا عندما تأتي نتائجها كما نريد .
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio