مقالات

مهم أن نطوّر أدواتنا... والأهم ألّا نضعها في المكان الخطأ

ساهر غزاوي  21:57 13/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

أولًا وقبل كل شيء، لا بد من التأكيد أن العمل في أي حقل من حقول العمل العام، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا أو إصلاحيًا أو حتى دعويًا ودينيًا، لا يمكن أن يبقى جامدًا. فمن يعمل في هذه الحقول يحتاج باستمرار إلى تطوير أدواته، ومواكبة المستجدات والتحولات، وقراءة الواقع قراءة دقيقة، وتجديد خطابه ووسائل عمله بما يتلاءم مع الظروف المتغيرة. فمن لم يتجدد يتبدد. ويمكن هنا أن نسرد عشرات المصطلحات والمفاهيم التي تُستخدم في هذا السياق، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: التجديد، والتطوير، والواقعية، والمرونة، وقراءة موازين القوى، وإعادة بناء الخطاب، وتحديث أدوات التأثير، وغيرها. ولا سيّما أن واقعنا المحلي، شأنه شأن أي واقع آخر، يفرض علينا اشتباكًا يوميًا مع السياسة وتأثيراتها، التي تكاد تحضر في كل مجال من مجالات حياتنا، بل وفي كثير من تفاصيلها اليومية.

لكنني لست هنا في معرض الاستعراض اللفظي أو استحضار النظريات والمفاهيم لمجرد إضفاء مسحة فكرية على النقاش توحي بأن صاحبها أكثر حداثة أو قدرة على فهم الواقع. فالقيمة الحقيقية لأي مفهوم أو أداة لا تكمن في حداثة اسمها ولا في جاذبية الخطاب الذي يحيط بها، وإنما في قدرتها الفعلية على إحداث أثر في الواقع وتحقيق الأهداف التي وُضعت من أجلها. والأداة، مهما كانت متطورة، تبقى وسيلة وليست غاية، ونجاحها أو فشلها لا يُقاس بمدى تمسكنا بها، وإنما بما تحققه فعلًا.

ومن هنا، لا بد من التوقف قليلًا لنسأل أنفسنا ماذا نريد أصلًا، وإلى أين نريد أن نصل، وإلا تحول الانشغال والعمل إلى غاية بحد ذاتهما. فمهما كانت الأدوات متطورة، والخطابات متجددة، والمصطلحات براقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد أدوات لإدارة العجز، أو إلى استنزاف هائل للطاقات والجهود لا يعلم مداه إلا الله، إذا وُضعت في المكان الخطأ. بل يمكن القول إنها قد تتحول أحيانًا إلى وسيلة لإسكات ذلك الصوت الداخلي الذي يقول: افعل أي شيء، حتى لو كنت تعرف مسبقًا أن لا جدوى حقيقية منه، فالمهم أن تفعل شيئًا ثم تقول إنك فعلت. وهذا ما يحدث حين نستمر في استخدام الأدوات نفسها، أو حتى نطورها ونغير أسماءها، داخل مساحة أثبتت التجربة والواقع أن قدرتها على إحداث التغيير والتأثير محدودة للغاية. والأسوأ من ذلك أن يتحول التمسك بهذه المساحة إلى غاية بحد ذاتها، فتُستنزف من أجلها السنوات والطاقات والجهود، بينما يبقى السؤال الأساسي غائبًا. هل المشكلة فعلًا في أدواتنا وخطابنا وطرق عملنا، أم في المساحة التي اخترنا أصلًا أن نستثمر فيها كل هذه الأدوات والطاقات؟

وهذا السؤال يقودنا إلى مسألة أخرى، وهي كيفية التعامل مع التجارب السابقة، ولا سيّما تلك التي مضى عليها سنوات طويلة، بل عقود كاملة. فهذه التجارب لا ينبغي أن تتحول إلى مسلّمات غير قابلة للمراجعة لمجرد أننا اعتدنا عليها أو استثمرنا فيها الكثير من الوقت والجهد، وإنما يجب التعامل معها كتجارب بشرية قابلة للتقييم والنقد. فما نجح منها يمكن البناء عليه وتطوير أدواته، وما أخفق ينبغي الاعتراف بإخفاقه وفهم أسبابه، وما استنفد أغراضه أو تغيرت الظروف التي نشأ فيها ينبغي ألا نستمر فيه فقط لأننا بدأناه منذ عقود. فالتجربة الطويلة ليست دليلًا على صحة الخيار بحد ذاتها، كما أن الاستمرار فيه ليس بالضرورة دليلًا على نجاحه. وأحيانًا تكون أهم فائدة يمكن استخلاصها من تجربة امتدت عقودًا هي أن نتعلم منها أين أخطأنا، وما الذي لم ينجح، ولماذا لم ينجح، بدل أن نعيد إنتاج التجربة نفسها بأدوات ومصطلحات جديدة ثم ننتظر نتائج مختلفة.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ويستحضرني في هذا السياق قول أحد الرجال الثقات، ممن يُثق برأيهم وحكمتهم وتجربتهم الطويلة في العمل السياسي، إذ قال ذات مرة: "كم من الجهود والطاقات والوقت أشغلتنا المؤسسة الإسرائيلية بانتخابات الكنيست وتوابعها". وأنا أضيف: وكم أشغلنا نحن أنفسنا بالانغماس في الانتخابات بكل أشكالها، فما إن نخرج من دوامة انتخابات الكنيست حتى ندخل في عجقة انتخابات السلطات المحلية وما يصاحبها من خلافات وحسابات وسجالات. وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد المشاركة في الانتخابات أو عدمها، لتطرح سؤالًا عن الوقت والطاقات والأدوات التي نملكها، وأين نستثمرها. فهل نحن الذين نختار أدواتنا ومساحات عملنا وفق أهدافنا وأولوياتنا، أم أن الواقع السياسي المفروض علينا يحددها لنا، ثم ننشغل نحن بتحسين أدائنا داخلها؟

ولعل أكثر ما نفتقده اليوم هو فسحة هدوء، ولو قصيرة، نخرج فيها من دوامة ردود الفعل والاستحقاقات المتلاحقة، ونفكر بهدوء في رؤيتنا وأولوياتنا. فليس كل انشغال إنجازًا، ولا كل أداة متاحة يجب استخدامها، ولا كل ساحة مفتوحة أمامنا تستحق أن نستثمر فيها طاقاتنا. وفي ظل الانشغال المتواصل وجر الناس من استحقاق إلى آخر، يصبح من الصعب أن نبني مشروعًا سياسيًا حقيقيًا، أو ننجز إصلاحًا اجتماعيًا جادًا، أو نواجه أزمات مجتمعنا المتراكمة، وفي مقدمتها العنف والجريمة، أو ننهض بدورنا التاريخي كجماعة وطنية أصلانية تحمي أرضها ومقدساتها وتعزز تماسك مجتمعها.

وفي النهاية، نحن بحاجة إلى التجديد والتطوير وإلى أدوات وخطاب يقرآن الواقع جيدًا، لكننا بحاجة قبل ذلك إلى أن نسأل: أين نضع هذه الأدوات؟ وفيما نصرف وقتنا وطاقاتنا؟ وماذا حققنا فعلًا بعد كل هذه السنوات؟ فالمطلوب ليس أن نتوقف عن العمل، وإنما أن نتوقف أحيانًا لنراجع ما نفعله، وأن نعرف أي أداة نستخدم، وأين، ومتى، ولأي هدف. وإلا سنبقى ندور حول أنفسنا، ونخوض معارك دون كيشوتية مع طواحين الهواء، ثم نكتشف بعد سنوات أننا ما زلنا في المكان نفسه، مهما أكثرنا من الاستعراض اللفظي واستحضار النظريات والمفاهيم والمصطلحات التي توحي بالتجديد والحداثة وقراءة الواقع. فالمشكلة في النهاية ليست في قدرتنا على ابتكار أسماء جديدة للأدوات القديمة، وإنما في أن نعرف ماذا نريد، وأين يمكن أن نؤثر فعلًا، وأين ينبغي أن نستثمر وقتنا وطاقاتنا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio