اعترفت كولومبيا رسميًا يوم 6 آبأغسطس الجاري بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل عام 1967 لتكون بذلك الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة التي اعترفت بدورها في العام 2019. فيما عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر عن امتنانه للرئيس الكولومبي المنتخب حديثا أبيلاردو دي لا إسبيرانزا. فيما اعتبر الاعلام الإسرائيلي وكذلك المستوى السياسي هذا القرار بمثابة مؤشر للسعي لضرورة بذل الجهود لتحويله الى مسار استراتيجي لم يكن مطروقا لحد الان، ويقع ضمن استراتيجية توسيع حدود إسرائيل والتي تسعى لها المؤسسة الحاكمة في إسرائيل والتي حظيت سابقا بدعم من ترامب حين تحدث عن حدود إسرائيل "الضيقة".
رأت وسائل الاعلام الإسرائيلية في اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان بمثابة خطوة في مسار يفتح الطريق امام اعترافات أخرى وحصريا في أمريكا اللاتينية وفي أوروبا وسيتبع ذلك افريقيا. ما تم اعتباره منبّهاً لقصور الدولة في الاستثمار دوليا في كسب الاعتراف وبتفويت الفرص العديدة الذي حصل نتيجة عدم ادراج الموضوع في لقاءات عديدة للقادة الإسرائيليين مع نظرائهم وحصريا في لقاءات نتنياهو مع الرئيس الارجنتيني ميلاي ومع الزعيم الهنغاري السابق اوربان.
كان لافتا تسويغ وزير الخارجية الإسرائيلي وتبرير ضم الجولان واعتباره حدثا منتهيا، وذلك بقوله إن إسرائيل دولة صغيرة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي. لذا، فإن وجود حدود قابلة للدفاع عنها "أمرٌ ضروري لضمان وجود الشعب اليهودي في وطنه التاريخي"، وأضاف ساعر أنه سيواصل العمل لضمان انضمام المزيد من الدول إلى هذا المسار.
من اللافت في الرواية الإسرائيلية الرسمية أن ضم الجولان والسعي لتكريسه دوليا هو أبعد من مسألة أمنية أو من ضم توسعي، بل يربط الضم بـ "ضمان وجود الشعب اليهودي" وهي صيغة ذات بعد ديني وتاريخي وفعليا تحميل كل من يرفض الضم مسؤولية تجاه اليهود وحتى وضعه في خانة اللا-سامية. كما انه فعليا يقوم بتأجيج أهواء الانجيليين الجدد في كل من الولايات المتحدة وامريكا الجنوبية وأفريقيا حيث يشهد انتشارهم تسارعا وسعة كبيرين، وهم في الوقت ذاته قوة الضغط (اللوبي) الأفضل والأكثر نجاعة لإسرائيل الى جانب اللوبي اليهودي.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });خلال زيارة الرئيس الارجنتيني ميلاي الى إسرائيل 42026 شدد نتنياهو على فكرة "اتفاقات اسحق" على غرار الاتفاقات الابراهامية لتكون تدشينا لحقبة من العلاقات مع دول أمريكا الجنوبية. فيما ترى صحيفة يسرائيل هيوم ان هناك دولا تنقل سفاراتها من تل ابيب الى القدس لما فيه اعتراف ضمني بضم القدس الشرقية المحتلة، وهذا أكثر تعقيدا من ضم الجولان حسب الصحيفة، نظرا لمكانة القدس لدى المسيحيين، بينما لم تعلن هذه الدول مبايعتها للموقف الإسرائيلي بما فيها الارجنتين وهنغاريا (اوربان)، وباراغواي، وهندوراس، وغواتيمالا، وجمهورية التشيك، وسلوفينيا، وصربيا، وجميعها وفقا للصحيفة ينبغي على إسرائيل والولايات المتحدة إجراء حوارٍ فوريّ معها في سياق الاعتراف بضم الجولان وفرض السيادة عليه، وتصحيح ما اعتبرته الأخطاء المتراكمة في عدم طرح هذا الملف في اللقاءات مع هذه الدول.
تراهن إسرائيل على التحولات في الأنظمة في أمريكيا الجنوبية كما الامر مع كولومبيا التي كانت تناوئ إسرائيل بينما جاء انتخاب الرئيس الحالي بانقلاب في السياسات التي تحدد الوجهة دوليا نحو فتح المسارات مع واشنطن وإسرائيل وخلق كتلة دولية تقف الى جانب الولايات المتحدة في تنافسها مع الصين وروسيا وفي مسعى للسيطرة على موارد الطاقة النفطية والمعدنية في هذه القارة. كما ان كولومبيا ليست وحيدة بل ومعها الارجنتين وكذلك فنزويلا بعد الغزو الأمريكي واسقاط نظام مادورو، كما تراهن التقديرات الإسرائيلية على احتمال تحولات سياسية في البرازيل بما يعني اسقاط حكم دي سيلفا الاشتراكي. في المقابل التهديدات الامريكية بغزو كوبا واسقاط النظام الذي تحاصره منذ عقود.
لماذا فتح ملف الاعترافات الدولية بضم الجولان، ولماذا الان؟
تفيد يسرائيل هيوم كما معاهد بحثية إسرائيلية مثل معهد القدس للاستراتيجيات والأمن بأن الخطأ الإسرائيلي الأكبر في هذا الصدد كان غداة سقوط نظام الأسد في سوريا وصعود نظام الشرع، حيث سارعت الدول الغربية إلى فتح أبوابها له، وإضفاء الشرعية على حكومته، وتخفيف العقوبات، بل رفعت الولايات المتحدة نظام العقوبات الشامل عن سوريا، وذلك دون الاستفادة إسرائيليا من الفرصة التي قد لا تعود، واعتبار انه كان ينبغي على إسرائيل أن تضع معادلة لحلفائها آنذاك تقوم على اشتراط الاعتراف بالنظام الجديد مقابل اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان. بعبارة أخرى، وأن يتم استبعاد الجولان من المطالبة السورية مقابل اعتراف إسرائيل بمبدأ "وحدة الأراضي السورية".
فزاعة التقارب السوري التركي
يبدو أن التقارب بين أنقرة ودمشق والإصرار السوري الصريح على الجولان يدفعان الحكومة الإسرائيلية إلى إدراك متأخر بأن اسرائيل واقعة في ورطة وفي فخ سياسي قد تواجهه بكامل قوته في السنوات القادمة بإعادة إثارة قضية الجولان.
على ارض الواقع ساد الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا الغموض واحيانا الارباك، وفي مسائل جوهرية ومنها هل الأفضل لإسرائيل نظام سوري مركزي قوي تجاه الداخل ومطواع امام إسرائيل، ام تفكك الأراضي السوري مما يخلق دويلات في معظمها قد تكون ضعيفة تجاه الداخل الإسرائيلي وعدائية تجاه إسرائيل. وقد حسم حاليا الموقف الإسرائيلي باتجاه ترتيبات أمنية تقوم على الامر الواقع بما فيه ضم الجولان المحتل عام 1967 والسيطرة المستدامة على المناطق الشاسعة التي احتلتها في سوريا العام 2024 بعد تدمير قدرات جيشها وتفكيكه.
الهاجس الإسرائيلي الأكبر كان النفوذ التركي في سوريا وحصريا بعد أن بدأ نظام الشرع في ترسيخ حكمه، والعلاقة المباشرة مع ترامب وادارته وبدعم تركي، مما رسخ النفوذ التركي في معظم سوريا باستثناء مناطق الاحتلال الإسرائيلي. وفقا لمعظم التقديرات الإسرائيلية فإن إسرائيل قد وسعت حدودها وقامت فعليا بتقطيع جغرافية وحدة الساحات الإيرانية لتلتقي بذلك مصلحيا وجزئيا مع نظام الشرع، وبخلاف ذلك تطبيقها استراتيجية "المنطقة العازلة الأمنية" في سوريا وامتدادها في لبنان وحتى احواض الغاز في البحر المتوسط. هذه الترتيبات لا تتعدى كونها أمنية، وقد تعصف بها التطورات السورية الداخلية لاحقا، وكذلك في حال استقرار النظام، وستكون استحقاقات اية معاهدة مع إسرائيل الانسحاب من المناطق المحتلة عام 2024 وفتح سؤال الجولان المحتل 1967. في المقابل ساورت المؤسسة الإسرائيلية في العامين الماضيين أفكار لم تقبل بها سوريا وهي بسط نفوذ الأخيرة على مناطق شمال شرق لبنان مقابل التنازل عما تحتله إسرائيل في سوريا.
قد تكون الولايات المتحدة معنية بتسوية في هذا الصدد، ووجهتها الحالية هي تهدئة الجبهات في إيران ولبنان وغزة. وهو ما لا يروق لإسرائيل مع العلم بأنه لا يوجد خطر تصعيد أمني من قبل سوريا مع إسرائيل، فيما من المستبعد التوصل الى حل في إطار الوضع القائم. ما تخشاه إسرائيل من نفوذ تركي في سوريا هو ما تسانده الولايات المتحدة لضمان تماسك البلد وعدم تفككه ولضمان السيطرة الامريكية في المناطق النفطية من خلال قاعدة النتف، وكذلك للتفاوض مع تركيا باعتبارها حليفا في حل القضايا الإقليمية جميعا، وهو ما تعتبره الخارجية الإسرائيلية قد يفتح ملف الجولان.
إسرائيل تسارع الخطى وقد يكون بعد فوات الأوان
تسعى الحكومة الإسرائيلية في مواجهة كل ما ذكر الى وضع ملف الاعتراف بسيادتها على الجولان في تحركاتها الدبلوماسية دولياً، والى ان تحظى بدعم من عدد من الدول التي تعتبرها صديقة لها كي يقوموا بإعلان الاعتراف بهذا الضم المعلن منذ أواخر العام 1981. كما في جبهات أخرى تبدو الحكومة الإسرائيلية في سباق مع الزمن، الذي لا يلعب لصالح مخططاتها بالضم.
صحيح ان حكومة نتنياهو ستقوم بحملة في هذا الصدد لكن هذه الحملة تأتي في حقبة من العزلة الدولية والتباين مع إدارة ترامب بصدد الأولويات الإقليمية. كما تقوم بذلك في فترة بدأت تظهر فيها نتائج إعادة النظر عربيا وإقليميا في العلاقة مع إسرائيل والتوترات التي تصحبها، كما تتشكل تكتلات إقليمية ذات وزن وأثر كبيرين على النظام الدولي وعلى الأولويات الامريكية بما يعمق التباين مع إسرائيل. فيما يشكل التحالف الجديد السعودي التركي الباكستاني والدور المصري ادواراً لم تألفها إسرائيل من قبل وبهذه القوة.
يبدو ان الانشغال في الملف السوري هو أيضا حاجة لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية حيث يوجد اجماع إسرائيلي على ضم الجولان، ثم ان وضع الجولان في خانة التحديات والتهديدات التي تواجه "وجود الشعب اليهودي" يأتي لإبقاء التوتر واعتماد ترتيبات امنية بعيدا عن الحلول السياسية، فيما الترتيبات الأمنية هي بالضرورة لصالح إسرائيل وسياستها التوسعية لكونها تبقي على سيطرتها على الأراضي السورية في هذه الحالة والى أجل غير مسمّى.
في الخلاصة:
يعبر النقاش الإسرائيلي بضرورة ترسيخ اعتراف دولي بضم الجولان السوري المحتل عن مأزق جديد تدخل به إسرائيل بعد ان اعتبرت اعتراف ترامب بالضم 2019 بأنه بات ملفاً محسوما لكن احتمالية مطالبة سوريا به تعتبرها خطرا استراتيجيا قادما وبدعم تركي وعربي.
من غير المتوقع ان تنجح السياسة الخارجية الإسرائيلية بكسب الاعترافات الدولية الواسعة بضم الجولان، وحصريا بسبب توجه المنطقة عربيا وإقليميا والتوجه الدولي بما فيه الامريكي نحو الاستقرار الإقليمي ونحو حلول سياسية متعددة الأطراف وعدم الركون على الترتيبات الأمنية التي تبقي جذور التصعيد والصراع قائمة حتى وإن طال أمدها.
يحظى قانون ضم الجولان من العام 1981 بإجماع قومي صهيوني، فيما يبدو انشغال نتنياهو وحكومته به بعد إعلان الرئيس الكولومبي الاعتراف بالضم، يعبر أيضاً عن حاجة سياسية انتخابية لدى نتنياهو فيما يرى وزير الخارجية ساعر الذي يصارع على مكانته في قائمة الليكود بأن الاعتراف يشكل أحد الإنجازات الهامة لسياسته المأزومة دوليا.
تشكل رواية "حدود إسرائيل الضيقة" والحاجة القصوى الى توسيعها باعتبارها "حماية للوجود اليهودي" مسعى توسعيا خطيرا يقوم على مبدأ ترسيخ استراتيجية المناطق العازلة في كل من سوريا ولبنان وفلسطين (غزة)، الا انه قد يصطدم بالاولويات الامريكية في استقرار الوضع إقليميا بعد ان انقلب الحرب على ايران على ادارتي ترامب ونتنياهو.
خشية إسرائيل من المحاور العربية والإقليمية المتبلورة هي خشية جدية، لكونها أيضا تعمق التباينات بين تل ابيب وواشنطن، وعلى حساب الأثر الإسرائيلي، مما قد يفرض تسويات على حساب نوايا التوسع والسيطرة في الجبهات المختلفة.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio