مقال: تربويات(4)
حين يُعاش لمعنىً أكبر من الذوات
إعداد: الشيخ أمير نفار- عضو حركة الدعوة والإصلاح
كثيرًا ما نختزل حياتنا في الماديات التي تحيط بنا، في أجسادنا، في ظروفنا، أو حتى في القطع المادية التي نتحرك في إطارها. لكن التأمل في سنن الحياة، وفي قصص العظماء الذين صاغوا التاريخ، يفتح أعيننا على حقيقة مغايرة: أن القيمة الحقيقية لا تكمن في المادة بذاتها، بل في "المعنى" الذي يخلعها عليها الوحي، وتلبسها إياها الشريعة، وتؤمن بها القلوب.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });فها نحن نرى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، أنه عاش محاطًا بماديات كانت في ظاهرها حرمانًا أو قيودًا. الجب كان مجرد حفرة، والسجن كان مجرد جدران، والقميص كان مجرد قطعة قماش. لكن سيدنا يوسف عليه السلام، بوعيه الرباني، لم يرَ في الجب سجنًا، بل رآه محرابًا لتربية النفس. لم يرَ في القميص ثوبًا، بل رآه شاهدًا على تحولات القدر. لقد حول "المادة" إلى "معنى"، فصارت الأوجاع سُلّمًا للتمكين، والقيود بابًا للحرية.
هذا التحول من المادة إلى المعنى هو ذاته الذي نراه في تضحيات الصحابة رضوان الله عليهم في معاركهم. حين كانوا يستميتون في الدفاع عن "راية" مصنوعة من قماش، لم يكونوا يدافعون عن نسيج أو خيوط، بل كانوا يدافعون عن رمزٍ للهوية، وعنوانٍ للعقيدة، وميدانٍ للحق في مواجهة الباطل. لقد تحولت قطعة القماش في نظرهم إلى كيانٍ لا يُهان؛ فالمصلحة هنا لم تكن في "القماش" لذاته، بل في أن الحفاظ على هذه الراية كان الحصن الأخير الذي لا بديل عن حمايته، لأن سقوطها يعني انكسار الحق في النفوس قبل الميادين، فراية من قماش تحولت إلى معنىً مقدّس بمجرد كونها استهدافًا لأهل الباطل في الميدان ضمن سياق معركتهم وحربهم لأهل الحق.
هنا نكتشف أن الحكمة والمصلحة ليست شعورًا ذاتيًا عاطفيًا معزولًا، بل هي فهمٌ عميق لنصوص الوحي وسياق الحق. فكما أن سيدنا يوسف عليه السلام أدرك أن ألمه في السجن ليس تعطيلًا بل إعدادًا، أدرك الصحابة أن تضحيتهم بدمائهم لأجل "راية" ليست تهورًا بل مصلحة عليا لحفظ الدين، وفي الحالتين، لم يُطرح بديل إلا الثبات على الغاية، فلم يطرح أحدهم التخلي أو تغيير الراية التي هي في النهاية بالمنظور المادي مجرد قماش، أو الخروج من السجن ضمن شروط السلطة الحاكمة كونها عفوًا ملكيًا وفرصة ذهبية، بل نرى أن سيدنا يوسف عليه السلام لما أن جاءه الخبر بالإفراج، رفض وقال للرسول -حامل خبر الافراج- { ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ }، ليرسل رسالة إلى الأجيال: أن شرف النفس والروح أغلى وأعظم من راحة الأبدان، فالنفوس الكبيرة لا تستطيع أن تجعل غاية أمنيتها أن تُستراح الأجساد.
لم يطرح أحدهم ذلك في مقابل الاندماج في منظومة الباطل أو الانسياق -ولو ظاهرًا- معه أو لتحقيق "مصلحة" للأبدان أو اكتساب لبعض الحقوق المعيشية.
فالمحافظة على الراية كانت هي عين الحكمة، والصبر في السجن كان هو عين المصلحة والتمكين.
إن دروس الحياة تخبرنا أن "المادة" إذا تجردت من "المعنى" صارت ثقلًا يغرقنا. الجب، السجن، القماش، وحتى المناصب والعروش، كلها مجرد أدوات.
الفارق في هندسة الابتلاء أن نعرف كيف نستخدم هذه الأدوات لنبني غاية لا تفنى. فالصحابي الذي قُطعت يده وهو يمسك بالراية لم تكن يده أغلى من الراية، لأن الراية كانت عنوانًا للهوية التي يعيش لأجلها. وسيدنا يوسف عليه السلام الذي صبر في السجن لم تكن سنوات عمره أثمن من السجن، لأن السجن كان هو التوقيت الإلهي لظهور الحق.
علينا أن نعيد تقييم "راياتنا" في هذه الحياة. فكل منا لديه راية، قد تكون مبدأً يدافع عنه، أو طهارةً يصونها في زمن الفتن، أو حلمًا يسعى لتحقيقه رغم كل الأبواب المغلقة. القيمة ليست في الظروف المادية التي نعيشها، بل في ثباتنا على الغاية التي اخترناها.
فالحياة نسيج واحد، الألم فيه خيط، والفرح خيط، والابتلاء خيط. لكنك أنت من يقرر كيف ينسج من هذه الخيوط راية تُرفع عاليًا، أو قصة تُلهم الأجيال.
لنتعلم من سيدنا يوسف عليه السلام كيف نصبر على الابتلاءات حتى نرى الرؤيا تتحقق، ولنتعلم من الصحابة رضوان الله عليهم كيف نرفع رايتنا حتى يكتب الله لنا النصر. ففي النهاية، لا يخلد الإنسان إلا بما قدمه لأجل معنىً أكبر من ذاته، وبما تحمّله لأجل غايةٍ أسمى من مجرد العيش والبقاء.
والحمد لله رب العالمين
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio