مقالات

من يحتكر الوطنية؟

كامل ريان 14:28 10/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

كاتب المقال: رئيس مركز امان المركز العربي لمجتمع آمن، د. كامل ريان 

      

من أخطر الأمراض التي تصيب المجتمعات في مراحل الاستقطاب السياسي أن تتحول الوطنية من قيمة جامعة إلى سلاح للإقصاء، ومن رابطة تجمع الناس إلى تهمة تُشهر في وجه كل من يختلف في الرأي أو المنهج. فعندما تضيق الصدور بالاختلاف، يصبح التخوين أسرع من الحوار، وتتحول الوطنية من انتماء صادق إلى شهادة يمنحها فريق لنفسه، ويحرم منها كل من لا يسير في طريقه.

وهذا ما نراه اليوم بوضوح في واقعنا السياسي؛ فبدل أن يكون النقاش منصبًا على البرامج والنتائج، أصبح يدور حول النيات والضمائر. ولم يعد السؤال: هل نجح هذا المشروع أو أخفق؟ وهل أصاب هذا القرار أم أخطأ؟ وإنما أصبح السؤال: هل هذا وطني أم خائن؟ وكأن الوطنية أصبحت حكرًا على جماعة بعينها، تملك وحدها حق تعريفها وتحديد معاييرها، وتوزيع صكوكها على الناس.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ومن أكثر من عانى من هذا المناخ الحركة الإسلامية، والقائمة العربية الموحدة، والدكتور منصور عباس. فمنذ سنوات، لم يعد الخلاف معهم خلافًا سياسيًا حول وسيلة أو برنامج، بل تحول في كثير من الأحيان إلى محاكمة دائمة للنوايا، وإلى تشكيك مستمر في الانتماء، حتى باتت كل خطوة سياسية تُفسر على أنها خروج عن الثوابت، وكل اجتهاد يوصف بأنه تنازل، وكل محاولة لفتح باب جديد تُواجه باتهامات جاهزة لا تحتاج إلى دليل بقدر ما تحتاج إلى مناخ من التعبئة والانفعال.

والمفارقة أن التاريخ الفلسطيني لم يعرف يومًا طريقًا واحدًا للنضال أو مدرسة واحدة في العمل الوطني. فقد تعددت الاجتهادات، واختلفت الوسائل، وتباينت الأولويات، لكن أحدًا لم يكن يملك الحق في احتكار الوطنية أو نزعها عن الآخرين. فالعمل الوطني كان دائمًا أوسع من الأحزاب، وأكبر من التنظيمات، وأبقى من الأشخاص، لأنه يقوم على الإيمان بالوطن وخدمة الإنسان، لا على التطابق الكامل في الرأي.

إن تحويل الاختلاف السياسي إلى قضية أخلاقية هو بداية الانقسام الحقيقي. فعندما يصبح المخالف متهمًا قبل أن يتكلم، ومدانًا قبل أن تُناقش حججه، تفقد السياسة معناها، ويتحول المجتمع إلى ساحات من الشك المتبادل، حيث ينشغل الجميع بإثبات وطنيتهم بدل الانشغال بخدمة مجتمعهم والدفاع عن حقوقه.

ولا يعني هذا أن أي حزب أو قيادة فوق النقد، فالنقد حق، بل ضرورة لا تستقيم الحياة السياسية بدونها. لكن النقد شيء، والتخوين شيء آخر. فالنقد يناقش الوقائع ويزن النتائج ويقترح البدائل، أما التخوين فإنه يقتل الحوار من جذوره، لأنه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن إسكات الخصم وإخراجه من دائرة الشرعية الوطنية.

لقد دفعت مجتمعات كثيرة ثمن هذه الثقافة، لأن الأمم لا تنهزم عندما تختلف، وإنما تنهزم عندما يتحول اختلافها إلى حرب داخلية على الشرعية، فيصبح الخصم السياسي أخطر من الخصم الحقيقي، وتضيع الطاقات في معارك التخوين بدل أن تتجه إلى مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد المجتمع كله.

إن الوطنية ليست شعارًا يعلو في المهرجانات، ولا منشورًا غاضبًا على وسائل التواصل، ولا خطبة حماسية تستدر العواطف. الوطنية تُقاس بما يقدمه الإنسان لشعبه، وبما يتحمله من مسؤولية، وبقدرته على خدمة الناس، والدفاع عن حقوقهم، وصيانة كرامتهم، مهما اختلفت الوسائل والاجتهادات.

ولهذا فإن المجتمع الذي يريد مستقبلًا صحيًا لا يحتاج إلى أوصياء على الوطنية، بل يحتاج إلى ثقافة تقبل التعدد، وتحترم الاجتهاد، وتُبقي باب الحوار مفتوحًا. فالوطن يتسع لأكثر من رأي، والقضية الواحدة قد تخدمها وسائل متعددة، أما احتكار الوطنية فلن يصنع إلا مزيدًا من الانقسام، ولن يخدم إلا أولئك الذين يتمنون أن يبقى هذا المجتمع غارقًا في صراعاته الداخلية.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio