قصة

متنفَّس عبرَ القضبان (195)

حسن عبادي 12:11 10/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛ 

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا. عقّب الشاعر أشرف حشيش[1]: "كان الله في العون. قصص موجعة على مسمع الدنيا لو كتبها راو لتمثيلية لقلنا إنه قسا على أبطالها وبالغ"

وعقّبت يافا: "فكّ الله بالعز قيدكُن... الحرية آتية لا محالة وإن طال ليل الغياب... شكرا لك أستاذ، لقد كنت لأهالي الأسيرات كـ "هدهد نبي الله سليمان"، طائر خيرٍ يحمل النبأ الصادق ويطوي مسافات القلق ليغرس الطمأنينة في قلوبٍ أنهكها الشوق. شكراً لأمانتك، ولنبل رسالتك، ولقلبك النقي الذي جعل من مهنة المحاماة جسراً للرحمة والوفاء".

 وعقّب الدكتور موسى عمايرة [2]: "الأخ والأستاذ العزيز حسن عبادي  الرجل النبيل ذو المهمة الإنسان، ليست كل الأقدار تمنح أصحابها القدرة على ملامسة هذا القدر من الألم، ولا كل الناس يستطيعون حمل رسائل المعاناة ونقلها بأمانة كما تفعل. لقد منحك الله صبراً يليق بثقل هذه المهمة، وقلباً يتسع لوجع الأسرى والأسيرات، وعزيمة لا تلين أمام تفاصيل موجعة يعجز كثيرون عن احتمال سماعها فضلاً عن معايشتها.

أنت لا تنقل أخباراً فحسب، بل تحفظ ذاكرة الألم، وتمنح الأسرى نافذة تصلهم بأهلهم والعالم، وتؤدي رسالة إنسانية نبيلة تتجاوز حدود المهنة إلى فضاء الواجب الأخلاقي والوطني.

نسأل الله أن يمدك بالقوة والثبات، وأن يجعل ما تقوم به في ميزان حسناتك، وأن يكتب الحرية القريبة لجنى ولكل الأسيرات والأسرى، وأن يأتي يوم تُروى فيه هذه القصص بوصفها ذكريات انتصار لا فصول معاناة. كل التحايا لا تفيك حقك".

"بشحطونا مثل الغنم"

زرت صباح الأربعاء 24.06.2026 سجن الدامون والتقيت بدايةً بالأسيرة جنى إحسان محمد أبو وردة؛ أطلّت مبتسمة، (مواليد 30.10.2006 من الفوار/ الخليل)، كانت مرتّبة زيارة يوم 26.05.26 ولم تتم بسبب جلسة محكمة تأجلت وتزامنت مع ساعة اللقاء.

بادرت قائلة: طلّعوا كرم موسى [3] للترويحة وانبسطنا لها، والصبايا قلقات بالنسبة للأحكام العالية بالفترة الأخيرة.

تم الاعتقال فجر 12.02.26 الساعة ثنتين وجه الصبح، كريات أربع، الشارون (من الاثنين للخميس برفقة سندس وصبا. وأنت يا أستاذ أدرى منّي بظروف الشارون) وبعدها الدامون. تفتيش مهين ورا الثاني.

جنى بغرفة 2؛ برفقة نتالي أبو دية، غادة وريدات، سماح حجاوي، أحلام شتية ونداء قطامش.

وضع الأسيرات كارثي، الأكل ضئيل، صرنا 91 أسيرة، بنزيد والمغاش نفسه.

 القمعات بشكل دائم؛ قمعة الأربعاء ع الحداش بالليل، صحينا من النوم على صوت قنبلتين ضربوهن ع الغرف، دخلوا ع الغرف وشحشطوا البنات على الساحة، مع كلاب بوليسية، نيّموهن على بطونهن، ودعّسوا عليهن بالبساطير.

لفتين محارم بالأسبوع لكل أسيرة، ممنوع تدخيل أدوات تنظيف للغرف، بالقمعات بغلطوا علينا وبشحطونا مثل الغنم، السجانين والسجانات.

ضعفت كثير.

طلبت إيصال رسائل الصبايا لأهاليهن؛ منى البرغوثي، سندس الهمشري، ولاء طنجة، ياسمين شعبان، سماح حجاوي، ذكرى ناصر، بشرى قواريق واليمامة هرينات.

غادة وريدات وأحلام شتيّة جداد.

تطمئن الجميع؛ وطلبت إيصال سلاماتها للأهل، فرداً فرداً. (منيح أنّي جمعتكم قبل أسبوع من الاعتقال، أحنّ اليكم بألف حنين وكل حنين يهز ضلوعي).

أمي:

لسوف أعود يا أمي            أقبّل رأسك الزاكي

أبثّك كل أشواقي                وأرشف عطر يمناك

أمرغ في ثرى قدميك          خدّي حين ألقاك

أروّي الترب من دمعي        سروراً في محياك

 أبوي: مشتاقة لك كثير، تعبطني وتظلّك عابطني.

كلّ المآسي غداً تختفي      وإن مآل السجون للفناء.

صبايا بير زيت وصلن؛ نتالي أبو دية، ليلى وجولان.

" كل الوقت عياط"

بعد لقائي بجنى أطلّت الأسيرة سلام ماجد مصطفى منصور[4] متوتّرة وعصبيّة (مواليد 12.12.1981، 4 أولاد وبنت، وخمسة أحفاد/ نابلس).

مباشرة بعد معرفة هويّتي صرخت: زعلانة، ما قصّرت مع ولادي وهم بالسجن، منصور ويوسف وحمزة، ليش ما بعرف شي عن حالي وعن قضيّتي؟ كنت أم وأب لولادي، كنت أشتغل وأروح أدفع للمحامين.

سلام بغرفة 9؛ برفقة هيام غزال [5]، نائلة سراديح، آمنة وآيات سويلم، شهد عادي، نيفين عبد الله، فاتنة الشرباتي [6]، ميرفت/ جديدة/ دكتورة بالجامعة/ عصيرة ولمى خاطر. اكتظاظ عال جداً.91 أسيرة. بغرفتنا 4 صبايا بناموا ع الأرض. 

طلّعوا صبيّة من غرفتنا وطعموها ضرب وقتل وأغمي عليها.

تم الاعتقال فجر 16.02.26 الساعة ثلاثة وجه الصبح، كدوميم وليلة بالشارون وبعدها الدامون.

ليش مهملين ملفّي؟ ليش ما كان محامي بالجلسة الأخيرة؟ القاضي عصّب وأجّلها. مش مسامحة حدا.

عشت وجع ولادي، بس مش مثل ما أجرّبه. بنام جوعانة. عايشة ع الميّة لأنّه فش أكل يتّاكل. بنتعاقب بدون ما بنعرف ليش. القمعات مستمرّة والضرب مطبّع على كل جسمي. قمعونا وعاقبونا لأنهم لاقوا خيطان بالغرفة، الصبايا بعملوا منهن أساور.

مش عارفة إشي عن حالي.

تزوّجت بنت 14 سنة، مش متعلمة، بشتغل بمعرض أواعي رجّالي برفيديا. على رأيهم لاقوا عندي عشر منشورات! معقول هالحكي؟

أنا مش بخير. ملفي مش مفتوح مع النيابة من يوم الحبسة. ليش؟

كثير زعلانة ومخنوقة. كل الوقت عياط.

شو بتعملوا؟ معنوياتي زيّ الزفت!

لكن عزيزتيّ جنى وسلام أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.

الدامون/ حيفا حزيران 2026    

الهوامش:

[1] زوج الأسيرة المحرّرة سامية جواعدة؛ تحرّرت يوم 10.12.25 

[2] أخو الأسيرة المحرّرة سامية جواعدة؛ تحرّرت يوم 10.12.25 

[3] تحرّرت كرم موسى يوم 24.06.26 

[4] تواصلت مع العائلة مباشرة من بوابة السجن، وزوّدتني ابنتها بصور لها وللأحفاد وللأبناء، وبعد النشر تواصل معي ابنها وزوجها وطلبوا حذف اسمها والصور من المنشور على صفحتي.

[5] تحرّرت أم البراء عياش يوم 08.07.26

[6] تحرّرت فاتنة الشرباتي يوم 02.08.26

     

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio