منذ عقود، تُرفع راية الديمقراطية في كل موسم انتخابي، وتُقدَّم الانتخابات البرلمانية على أنها الممر الإجباري نحو العدالة والمساواة والتغيير. غير أن التجربة، لا الشعارات، هي الحكم الأصدق. وعندما تُوزَن الوعود بميزان الواقع، يتبين أن المسافة بين الديمقراطية المعلنة والديمقراطية الممارسة ما تزال واسعة، بل ومؤلمة..
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: هل ما زالت الانتخابات تؤدي وظيفتها الديمقراطية الحقيقية، أم تحولت إلى طقسٍ سياسي يتكرر كل عدة أعوام، بينما يبقى الواقع على حاله؟
في المشهد الحزبي، تتبدل التحالفات بسرعة، وتتغير الشعارات وفق مقتضيات المرحلة، لكن الثابت الوحيد هو الصراع على عدد المقاعد، وما يترتب عليها من نفوذ سياسي وموارد مالية ومكانة حزبية، أما المواطن الذي يُفترض أن يكون محور العملية الديمقراطية، فيتحول غالبًا إلى رقم انتخابي يُستدعى في موسم الاقتراع، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة أزماته بعد إغلاق صناديق التصويت..
لقد أصبحت الحملات الانتخابية، في كثير من الأحيان، صناعةً قائمة بذاتها؛ تُستثمر فيها الأموال، وتُحشد لها وسائل الإعلام، وتُصاغ فيها الوعود بعناية، بينما يغيب السؤال الجوهري: ماذا تحقق فعلًا بعد انتهاء كل دورة انتخابية؟ وهل تبدلت أوضاع المجتمع العربي بما يوازي حجم الخطابات التي أُلقيت باسمه؟
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });ولا يمكن تجاهل أن الخطاب السياسي كثيرًا ما يعتمد على إثارة المخاوف واستنهاض العواطف أكثر من اعتماده على البرامج والرؤى، ويُستدعى شبح اليمين في كل انتخابات بوصفه دافعًا للتصويت، فيتحول الخوف إلى أداة تعبئة، بدل أن تكون الكفاءة والإنجاز هما معيار الاختيار، وهنا يفقد الناخب حريته الكاملة، لأن القرار يُبنى على القلق لا على القناعة..
إن أخطر ما أصاب العمل الحزبي هو أن بعض الأحزاب انشغلت بالمحافظة على مواقعها أكثر من انشغالها بتجديد مشروعها السياسي، فتكررت الوجوه، وضاقت دوائر القرار، وغابت المنافسة الداخلية الحقيقية، حتى أصبح تداول القيادة استثناءً لا قاعدة. وعندما يغيب التجديد، تتجمد الأفكار، ويتحول الحزب إلى مؤسسة تدير ذاتها أكثر مما تقود مجتمعها..
أما المواطن العربي، فقد وجد نفسه، بعد عقود طويلة، ما زال يواجه التحديات نفسها: التمييز، والعنف، وأزمة السكن، واتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وضعف التأثير في صناعة القرار، ولهذا يتساءل كثيرون:- إذا كانت الانتخابات هي الأداة الديمقراطية الأولى، فلماذا بقيت هذه القضايا تراوح مكانها عبر ثمانية وسبعين عامًا؟
إن هذا السؤال لا يطعن في مبدأ الديمقراطية، بل يدعو إلى مراجعة كيفية ممارستها..
فالديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، وإنما بقدرتها على إنتاج قيادات خاضعة للمحاسبة، ومؤسسات شفافة، وتداول حقيقي للمسؤولية، وسياسات تنعكس على حياة الناس.
ولعل أخطر ما يهدد الثقة العامة هو أن يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئًا، وأن النتائج معروفة سلفًا، وأن الوجوه نفسها ستعود مهما تبدلت الشعارات. عندها لا تصبح الأزمة أزمة عزوف عن التصويت، بل أزمة ثقة في جدوى العملية السياسية برمتها..
إن المجتمع العربي اليوم لا يحتاج إلى خطابات انتخابية أكثر بل إلى مراجعة فكرية شاملة تعيد تعريف وظيفة الحزب السياسي، وتجعل خدمة الإنسان معيار النجاح، لا عدد المقاعد، ولا حجم الميزانيات، ولا بريق المناصب.
فالأحزاب ليست غاية، بل وسيلة. والبرلمان ليس منصة للوجاهة، بل ساحة للدفاع عن الحقوق وصناعة التشريعات. والسياسة ليست موسمًا انتخابيًا، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية مستمرة..
ويبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:- هل نريد ديمقراطية تُغيِّر الواقع، أم انتخابات تُجدد الوجوه نفسها داخل المشهد ذاته؟
إن الأمم لا تنهض بكثرة الشعارات، وإنما بصدق القيادات، ووعي الجماهير، وشجاعة النقد، وتجديد الفكر السياسي، أما الديمقراطية التي تكتفي بإعادة إنتاج الأزمات، فهي تفقد معناها، وتتحول إلى عنوان جميل يخفي وراءه واقعًا ينتظر إصلاحًا حقيقيًا..
إن الإصلاح يبدأ حين يصبح الإنسان هو الهدف، لا المقعد؛ وحين يكون الوطن هو المشروع، لا الحزب؛ وحين تكون الحقيقة أعلى من كل حساب انتخابي../
اللهم اني كتبت وقرأت وحللت واستنتجت بعمق تحليلي صادق كل الواقائع اللملموسة الصادقة لمصلحة من يهمه الأمر.. وان كنت على خطأ فليقوموني..
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio