من فيتنام إلى إيران: هل تعيد واشنطن إنتاج أخطاء الماضي؟
بقلم: خالد خليفة
تكشف الأزمات الكبرى في التاريخ أن الدول العظمى لا تسقط عادة بسبب نقص القوة العسكرية، بل عندما تعجز عن قراءة حدود هذه القوة. ومن يتابع التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران يدرك أن واشنطن تقف اليوم أمام اختبار يشبه، في كثير من جوانبه، اختبارات خاضتها خلال العقود الماضية، بدأت في أدغال فيتنام، مرورًا بشوارع بغداد وجبال أفغانستان، وصولًا إلى الخليج والشرق الأوسط. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات عسكرية لإيران، وإنما ما إذا كانت مستعدة لتحمل النتائج السياسية والاستراتيجية لحرب قد تمتد لسنوات.
التاريخ الأمريكي مليء بالحروب التي بدأت تحت شعار استعادة الردع أو حماية الأمن القومي، لكنها انتهت باستنزاف طويل وتراجع في النفوذ. ولعل حرب فيتنام تمثل المثال الأبرز على ذلك. ففي ربيع عام 1965 اتخذت إدارة الرئيس ليندون جونسون قرارًا بتوسيع التدخل العسكري الأمريكي في فيتنام، بعدما كانت المشاركة الأمريكية تقتصر على الدعم والاستشارة للحكومة فيتنام الجنوبية المؤيدة لها. وأنزلت واشنطن آنذاك عشرات الآلاف من الجنود إلى مدينة دا نانغ الساحلية، لتبدأ واحدة من أطول وأعقد الحروب في التاريخ الأمريكي الحديث.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وكانت القيادة الأمريكية تعتقد أن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيل بحسم المعركة خلال فترة قصيرة، فاستخدمت أحدث الطائرات والقاذفات الاستراتيجية، وعلى رأسها طائرات B-52، كما لجأت إلى قصف مكثف وقنابل النابالم الحارقة والمواد الكيميائية لإزالة الغابات التي كان مقاتلو "الفيت كونغ" يستخدمونها غطاءً لعملياتهم. حيث استطاع الفيت كونغ وبواسطة الحرب الغير نظامية من داخل الانفاق وخارجها ومن وراء الادغال قطع دابر الجيش الأمريكي وتحركاته في الشمال والجنوب مع تكبده خسائر فادحة في الأرواح والعتاد ولم تتمكن القوة الامريكية النارية من القضاء على حرب العصابات، بل تحولت إلى عامل إضافي عزز المقاومة الفيتنامية وأطال أمد الحرب.
ومع مرور السنوات، أصبحت الحرب عبئًا سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد تجاوز عدد القتلى الأمريكيين ثمانية وخمسين ألف جندي و300 الف جريح وعدد كبير من الاسرى، بينما سقط مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين الفيتناميين، وخرجت الجامعات والنخب الفكرية وحركات الحقوق المدنية في احتجاجات واسعة ضد استمرار الحرب. وتحولت فيتنام من معركة خارجية إلى أزمة داخلية هزت الثقة بالإدارة الأمريكية، قبل أن تنتهي بانسحاب القوات الأمريكية وسقوط سايغون عام 1975، في واحدة من أكثر اللحظات إيلامًا في التاريخ السياسي والعسكري الأمريكي.
ورغم أن صناع القرار في واشنطن أكدوا بعد تلك التجربة أن الولايات المتحدة لن تنخرط مجددًا في حرب استنزاف مشابهة، فإن السنوات اللاحقة أثبتت أن دروس فيتنام لم تُستوعب بالكامل. ففي عام 2003 شنت الولايات المتحدة غزوا على العراق تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، وهي الذريعة التي ثبت لاحقًا عدم صحتها. وسقط النظام العراقي خلال أشهر قليلة، لكن الانتصار العسكري السريع تحول إلى احتلال طويل واجه مقاومة مسلحة واضطرابات أمنية وانقسامات داخلية، لتدخل البلاد في سنوات من العنف وعدم الاستقرار. ورغم انسحاب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية لاحقًا، فإن الحرب تركت آثارًا عميقة على العراق والمنطقة، وأثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة حول كلفة التدخلات العسكرية وحدود استخدامها للقوة.
أما في أفغانستان، فقد بدت الصورة أكثر وضوحًا. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 دخلت القوات الأمريكية الحرب بهدف إسقاط نظام طالبان والقضاء على تنظيم القاعدة. وبالفعل تحقق الهدف الأول خلال أسابيع، غير أن الحرب تحولت إلى أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، استمرت قرابة عشرين عامًا، أنفقت خلالها واشنطن مئات المليارات من الدولارات وخسرت آلاف الجنود، قبل أن تنسحب في عام 2021 لتعود طالبان إلى السلطة، في مشهد أعاد إلى أذهان كثيرين صور الانسحاب من سايغون قبل عقود.
واليوم تبدو الأزمة مع إيران مختلفة في تفاصيلها، لكنها تحمل عناصر تشابه لا يمكن تجاهلها. فإيران ليست دولة معزولة تفتقر إلى أدوات الرد، بل تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية وشبكة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في أكثر من ساحة إقليمية، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يمنحها تأثيرًا مباشرًا في أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة العالمية. وهذا يعني أن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل قد تمتد إلى مسارح متعددة يصعب احتواء تداعياتها.
اما الاختلاف الأساسي بين فيتنام وإيران يكمن في طبيعة ساحة القتال، إلا أن جوهر التحدي واحد. ففي فيتنام واجهت الولايات المتحدة حرب عصابات طويلة استنزفتها رغم تفوقها العسكري، بينما قد تواجه في أي صراع واسع مع إيران حربًا متعددة الجبهات، تستخدم فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية والحروب غير التقليدية، بما يجعل تحقيق نصر سياسي حاسم أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ ضربات عسكرية ناجحة.
كما أن البيئة الدولية لم تعد تشبه تلك التي سادت خلال ستينيات القرن الماضي أو حتى بعد نهاية الحرب الباردة. فالعالم اليوم أكثر تعددية، والقوى الدولية الكبرى أصبحت أكثر حضورًا في الشرق الأوسط، كما أن الاقتصاد العالمي بات شديد الحساسية لأي اضطراب في إمدادات الطاقة أو طرق الملاحة البحرية. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري واسع قد ينعكس على الاقتصاد العالمي بقدر ما ينعكس على موازين القوى الإقليمية.
ولا يقتصر التحدي على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي أيضًا. فكما ساهمت حرب فيتنام في تعميق الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة، وكما أثارت حربا العراق وأفغانستان نقاشًا طويلًا حول جدوى التدخلات الخارجية، فإن أي مواجهة طويلة مع إيران قد تعيد فتح الأسئلة نفسها حول كلفة الحروب وأولويات السياسة الأمريكية في مرحلة تتزايد فيها التحديات الاقتصادية والاستراتيجية على المستوى العالمي.
كما إن التجارب التاريخية لا تعني أن كل أزمة ستنتهي بالنتيجة ذاتها، لكنها تقدم إشارات مهمة حول حدود القوة العسكرية عندما تغيب الرؤية السياسية. فقد أثبتت فيتنام أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأثبت العراق أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء الاستقرار، وأثبتت أفغانستان أن أطول الحروب قد تنتهي بالعودة إلى نقطة البداية.
لهذا تبدو الأزمة الحالية مع إيران اختبارًا جديدًا لقدرة الولايات المتحدة على الاستفادة من دروس الماضي. فإذا بقيت المقاربة قائمة على منطق القوة وحده، فإن خطر الانزلاق إلى مواجهة طويلة سيظل قائمًا، أما إذا جرى توظيف القوة ضمن استراتيجية سياسية ودبلوماسية أوسع، فقد يكون بالإمكان تجنب تكرار تجارب دفعت واشنطن أثمانها الباهظة في فيتنام والعراق وأفغانستان. فالتاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية، لكنه كثيرًا ما يعاقب من يصر على تجاهل دروسه.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio