مقالات

غزة بين حسابات بقاء الحركة ومتطلبات التعافي الوطني

عبد الباري فياض 16:27 04/08 |
حمَل تطبيق كل العرب

غزة بين حسابات بقاء الحركة ومتطلبات التعافي الوطني

عبد الباري فياض 

كاتب صحفي فلسطيني

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

لا تبدو معركة غزة في مرحلتها الحالية مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار أو بترتيبات تبادل الأسرى، وإنما باتت مرتبطة بصورة أكبر بالسؤال الأصعب: من سيدير القطاع بعد الحرب، وبأي أدوات، ولأي هدف؟ فكلما اقتربت المفاوضات من بحث المرحلة التالية، عاد ملف الحكم إلى الواجهة باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لوقف دورة الحرب والبدء في إعادة بناء ما دمرته المواجهات.

وتزداد أهمية هذا السؤال لأن إعادة إعمار غزة لن تكون عملية فنية تقتصر على إزالة الركام وبناء المنازل والمستشفيات والمدارس، وإنما تحتاج إلى سلطة مدنية قادرة على إدارة التمويل الدولي، وتنظيم الخدمات، وضبط المؤسسات، وتوفير بيئة أمنية وسياسية تمنح الجهات المانحة ثقة بإمكانية استمرار مشاريعها. ومن الصعب تحقيق ذلك في ظل تعدد مراكز القرار أو استمرار التداخل بين الإدارة المدنية والنفوذ العسكري للفصائل.

وفي هذا السياق، يمثل إعلان حركة حماس في يوليو الماضي حل الهيئة الحكومية التي كانت تدير القطاع، تمهيدًا لنقل المسؤوليات المدنية إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية، تحولًا مهمًا في شكل إدارة غزة. فالخطوة تعني، على الأقل من الناحية الإدارية، قبولًا بالابتعاد عن إدارة القطاع بصورة مباشرة وفتح الطريق أمام صيغة مدنية جديدة. لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل يعني التخلي عن الإدارة الحكومية التخلي عن أدوات النفوذ التي يمكن أن تمنح الحركة قدرة فعلية على التأثير في القرار داخل القطاع؟

هنا تحديدًا تظهر إشكالية "بقاء الحركة". فمن الطبيعي أن تسعى حماس، مثل أي تنظيم سياسي، إلى الحفاظ على حضورها ووجودها في المشهد الفلسطيني. لكن هذا السعي يصبح محل اختبار عندما يتعارض مع متطلبات مرحلة استثنائية تحتاج فيها غزة إلى إدارة مستقلة وقادرة على التعامل مع المجتمع الدولي والجهات المانحة، وإلى قرار أمني وسياسي واضح لا تتعدد داخله مراكز القوة.

ولذلك فإن المشكلة ليست في أن تبقى حماس جزءًا من الحياة السياسية الفلسطينية، وإنما في أن يتحول استمرار نفوذها العسكري أو الإداري إلى عائق أمام قيام سلطة مدنية موحدة. فالانتقال من إدارة القطاع إلى المشاركة السياسية يقتضي فصلًا واضحًا بين العمل السياسي وأدوات القوة، وإلا فإن تغيير شكل الحكومة لن يكون كافيًا لتغيير طبيعة الحكم.

وتزداد المسألة تعقيدًا مع ملف السلاح. فالمفاوضات الأخيرة شهدت تطورات مهمة بشأن نزع سلاح حماس ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة، وتحدثت واشنطن عن تقدم في هذا المسار، لكن التفاصيل ما زالت محل خلاف، خصوصًا حول آلية التنفيذ وتسلسل الخطوات وعلاقة نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تربط الانسحاب بإتمام عملية نزع السلاح، بينما تتمسك حماس بربط الخطوة بالتزامات إسرائيلية مقابلة.

وهذا يعني أن مستقبل إعادة الإعمار مرتبط بصورة مباشرة بمستقبل الحكم. فالمجتمع الدولي يستطيع المساهمة في تمويل إعادة بناء غزة، لكنه يحتاج إلى جهة فلسطينية واضحة تضمن إدارة الأموال والمشروعات، وإلى بيئة أمنية تمنع تحويل البنية التحتية التي يعاد بناؤها إلى أهداف جديدة في صراع متجدد. ولذلك فإن استمرار السلاح خارج إطار سلطة وطنية موحدة سيظل عاملًا يثير مخاوف المانحين ويعقد عملية التعافي، حتى لو انتقلت الإدارة المدنية رسميًا إلى لجنة تكنوقراط.

لكن تحميل حماس وحدها مسؤولية تعقيد الطريق إلى الإعمار سيكون تبسيطًا للمشهد. فإسرائيل تتحمل بدورها مسؤولية أساسية عن خلق البيئة التي تسمح بعودة الحياة إلى القطاع، سواء من خلال وقف العمليات العسكرية أو تحديد إطار واضح للانسحاب وفتح المجال أمام إعادة الإعمار. ولا يمكن مطالبة غزة بالاستقرار في الوقت الذي تبقى فيه احتمالات تجدد القتال قائمة.

مع ذلك، فإن هذا لا يلغي السؤال الفلسطيني الداخلي: هل تستطيع القوى الفلسطينية، وحماس في مقدمتها، وضع متطلبات المجتمع فوق الحسابات التنظيمية؟ غزة بعد الحرب ليست غزة التي كانت قبلها. حجم الدمار، والاحتياجات الإنسانية، والاعتماد المتوقع على التمويل الخارجي، كلها تجعل استمرار النموذج السابق للحكم أمرًا بالغ الصعوبة. ولذلك تبدو الحاجة أكبر إلى إدارة مدنية مهنية لا تكون خاضعة لأي فصيل، وتستند في الوقت نفسه إلى إطار فلسطيني أوسع يحظى بالشرعية والدعم العربي والدولي.

ولا يعني هذا بالضرورة إقصاء حماس من المستقبل السياسي. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على إلغاء طرف فلسطيني، وإنما على وضع قواعد جديدة تمنع احتكار أي فصيل للإدارة أو السلاح. وإذا استطاعت الحركة أن تنتقل من إدارة القطاع إلى المشاركة السياسية ضمن نظام فلسطيني أكثر شمولًا، فقد تتحول من جزء من مشكلة الحكم إلى جزء من الحل. أما إذا بقي النفوذ العسكري شرطًا للحفاظ على موقعها السياسي، فستظل عملية إعادة الإعمار تواجه السؤال نفسه: من يملك القرار الفعلي في غزة؟

مستقبل القطاع لن تحدده فقط نتائج المفاوضات بين إسرائيل وحماس، وإنما قدرة الفلسطينيين على بناء صيغة حكم جديدة. إعادة الإعمار تحتاج إلى سلطة مدنية مستقلة، وقرار أمني موحد، وتمويل دولي، وضمانات تمنع العودة إلى الحرب. وهذه المتطلبات تجعل الفصل بين بقاء حماس كقوة سياسية وبين استمرار سيطرتها على أدوات الحكم والسلاح مسألة مركزية في مستقبل غزة.

فإذا نجحت الحركة في قبول هذا الفصل، وأصبح حضورها السياسي منفصلًا عن إدارة القطاع وامتلاك السلاح، فقد يكون ذلك بداية لمرحلة مختلفة. أما إذا بقيت حسابات الحفاظ على النفوذ مرتبطة بمفاصل الحكم والأمن، فإن غزة ستجد نفسها أمام معادلة صعبة: موارد يمكن حشدها لإعادة البناء، وحاجة هائلة إلى التعافي، لكن من دون البيئة السياسية والأمنية التي تسمح بتحويل تلك الموارد إلى حياة جديدة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من سيحكم غزة فقط، وإنما ما إذا كان شكل الحكم الجديد قادرًا بالفعل على إخراجها من دورة الحرب وإعادة بناء مقومات الحياة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio