مقالات

من فوضى المفاوضات إلى فوضى الثقة 

محمد دراوشة 13:45 31/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

المشهد السياسي العربي داخل إسرائيل يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا منذ تأسيس القائمة المشتركة. فبعد سنوات من الحديث عن الوحدة كخيار استراتيجي، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع سياسي يتفكك بسرعة، بينما تتصرف الأحزاب وكأن الوقت يعمل لصالحها، لا ضدها. تعثّر إقامة قائمة رباعية كان بداية الانهيار، لكن تعثّر إقامة قائمة ثلاثية، رغم تقليص عدد الأطراف، كشف عمق الأزمة، وأظهر أن المشكلة ليست في عدد الأحزاب، بل في غياب الإرادة السياسية، وغياب الثقة بين الاحزاب، وغياب القيادة القادرة على جمع هذا الشتات.

القائمة العربية الموحدة، التي وجدت نفسها محاصرة داخل صورة “الحركة الإسلامية”، تحاول اليوم الهروب من هذه الهوية الضيقة عبر خطوة جريئة: محاولة ضم يوآف سيچالوفيتش. هذه الخطوة ليست مجرد مناورة انتخابية، بل محاولة لإعادة تعريف الحزب، وتقديمه كحزب عربي–يهودي، لا كحركة دينية. الموحدة تدرك أن صورتها الحالية تحدّ من قدرتها على التوسع داخل المجتمع العربي، وتحدّ من قدرتها على التأثير داخل المجتمع اليهودي، وأن أي محاولة لتحسين موقعها في مفاوضات تشكيل ائتلاف مستقبلي تتطلب تغييرًا في الشكل والمضمون. لكن هذه الخطوة، مهما بدت جريئة، تكشف عن أزمة أعمق: أزمة هوية سياسية، وأزمة ثقة داخلية، وأزمة في القدرة على قراءة المزاج العام للجمهور العربي الذي لم يعد يتفاعل مع المناورات، بل يبحث عن مشروع سياسي واضح، لا عن تحالفات تكتيكية، التراجع من فكرة الموحدة الاولى في التسعينيات إلى الإسلامية في العقد الأخير أنتجت سقفاً زجاجياً لنمو الموحدة، سقف من الصعب كسره بمناورة واحدة.

في المقابل، الاستطلاعات الأخيرة لا تمنح أي تفاؤل. التمثيل العربي المتوقع لا يزيد ويتراوح حول ال-10 مقاعد، بل يتراجع في بعض السيناريوهات. وهذا التراجع ليس نتيجة ضعف الأحزاب فقط، بل نتيجة انهيار الثقة بين الجمهور وهذه الأحزاب. الجمهور يرى مفاوضات تتعثر كل يوم، وتصريحات متبادلة مليئة بالاتهامات، واتفاقات ثنائية خلف الأبواب، وغيابًا كاملًا للشفافية. يرى أحزابًا تتحدث عن الوحدة في الإعلام، بينما تعمل على تفكيكها في الغرف المغلقة. أحد الباحثين في الشأن الانتخابي قال مؤخرًا إن “الأحزاب العربية تتصرف وكأنها تملك فائض قوة، بينما هي في أضعف حالاتها منذ سنوات”. هذا القول يلخص المشهد بدقة، فالأحزاب العربية اليوم لا تواجه أزمة مفاوضات، بل أزمة ثقة. الثقة بين الأحزاب نفسها انهارت، والثقة بين الأحزاب والجمهور انهارت، والثقة بأن فكرة الوحدة ممكنة انهارت أيضًا.

وفي الأشهر الأخيرة تحديدًا، تراكمت خيبات الأمل لدى الجمهور العربي بشكل غير مسبوق. كل جولة مفاوضات كانت تنتهي إلى طريق مسدود، وكل تصريح سياسي كان يزيد الشرخ اتساعًا، وكل محاولة للوحدة كانت تتحول إلى مادة للتجاذبات بدل أن تكون مشروعًا جامعًا. هذا التراكم الثقيل من الإحباط لم يعد مجرد حالة مزاجية عابرة، بل أصبح عاملًا مباشرًا في عزوف المصوتين، الذين باتوا يشعرون أن أصواتهم تُهدر في معارك جانبية لا علاقة لها بمستقبلهم ولا بقضاياهم اليومية. ومع استمرار هذا التراجع في الثقة، قد يجد الجمهور نفسه يبحث عن شيء مختلف، عن وجوه جديدة داخل الأحزاب، عن قيادات لم تتلوث بخلافات السنوات الأخيرة، ولم تكن جزءًا من حالة التشتت التي أنهكت المجتمع السياسي العربي. ربما تكون هذه الوجوه الجديدة هي القادرة على ترميم ما تهدّم، وعلى تعويض الأضرار التي تراكمت حتى الآن، وعلى إعادة بناء علاقة صحية بين الأحزاب والجمهور، علاقة تقوم على الصدق والمسؤولية لا على المناورات والتكتيكات.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

المشهد السياسي العربي يقف اليوم أمام لحظة حاسمة. إما أن تستيقظ الأحزاب وتدرك حجم الإحباط الذي خلّفته، فتفتح الباب أمام تجديد حقيقي في خطابها وقياداتها، أو أن تستمر في الدوران داخل الحلقة ذاتها، حيث التشتت يولّد مزيدًا من التشتت، والإحباط يولّد مزيدًا من العزوف. والجمهور العربي، الذي كان يومًا ما رافعة سياسية قوية، لن يعود إلى صناديق الاقتراع ما لم يرَ أمامه مشروعًا سياسيًا جديدًا، ووجوهًا جديدة، ورؤية تستحق أن تُمنح فرصة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio