مقالات

الثوابت الوطنية… هل تُقاس بالشعارات أم بالأثمان؟

د. كامل ريان  21:11 30/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

                                  بقلم: د. كامل ريان 

                                    رئيس مركز أمان 

في كل مناسبة وطنية، وفي كل نقاش سياسي، تتردد عبارة “الثوابت الوطنية” حتى تكاد تتحول إلى معيار يُمنح ويُسحب بحسب المواقف والانتماءات او الأفراد والشخصيات. وكثيرًا ما نسمع من ينصب نفسه وصيًا على هذه الثوابت، فيوزع شهادات الوطنية، ويصنف الناس بين متمسك بها ومتخَلٍّ عنها.

لكن، بعيدًا عن الشعارات، يبرز سؤال لا يجوز الهروب منه:ما هي الثوابت الوطنية؟

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

هل هي بيانات تُكتب، وخطابات تُلقى، وعناوين وشعارات تُرفع في المناسبات؟ أم أنها مشروع حياة، وعمل متواصل، وتضحيات يومية، ودفع للأثمان من أجل حماية الإنسان والأرض والهوية؟

هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو سؤال يرتبط بميزان الإنصاف، وبحق الأجيال في معرفة من عمل، ومن اكتفى بالحديث عن العمل.

لقد اعتدنا أن نسمع اتهامات جاهزة تُلقى هنا وهناك، خاصة تجاه الحركة الإسلامية والقائمة العربية الموحدة، حتى أصبح مجرد ذكر اسمهما كافيًا عند البعض لإطلاق سيل من التخوين والتشكيك في الوقت الذي نعرف تمام المعرفه انهم لم يبادروا ولو ليوم واحد في إماطة حجر او أذى من طريق او قدموا ولو ليوم واحد عملا على قول او فعلا على عنوان. 

لكن، إذا تجاوزنا لغة الانفعال، وتأملنا الواقع بهدوء، فسنجد أن الصورة أكثر تعقيدًا، وأن الحكم ينبغي أن يكون على الأفعال قبل الأقوال،فعلى امتداد سنوات طويلة، ارتبط اسم الحركة الإسلامية بجملة من المشاريع المجتمعية والدينية والوطنية؛ من رعاية المساجد، وتحفيظ القرآن الكريم، وخدمة الأسر المحتاجة، ودعم التعليم، والاهتمام بالشباب، ورعاية الأوقاف الإسلامية، والعمل على تثبيت الهوية العربية والإسلامية ، إلى جانب النشاط المتعلق بالمسجد الأقصى وإسناد صمود المقدسيين وإغاثة الاهل في الأراضي المحتله.  

وقد تعرضت مؤسساتها وقياداتها خلال مراحل مختلفة لإجراءات قانونية وأمنية تعسفيه شملت إغلاق مؤسسات وملاحقات وتحقيقات واعتقالات ومصادرة أموال، في سياقات كانت محل جدل سياسي وقانوني واسع، بين من رأى فيها تطبيقًا للقانون، ومن اعتبرها استهدافًا للعمل الأهلي والسياسي.

وبغض النظر عن اختلاف المواقف من هذه الإجراءات، يبقى السؤال مشروعًا:

هل يجوز تجاهل عقود كاملة من العمل الاجتماعي والدعوي والخيري، واختزالها في خطاب سياسي أو في خلاف أيديولوجي؟

إن الوطنية ليست حكرًا على أحد، كما أن الثوابت الوطنية ليست ملكية خاصة لفصيل أو حزب أو تيار او شخص او جماعه او مجموعه ، فالثابت الوطني الحقيقي هو كل ما يحافظ على بقاء الإنسان الفلسطيني في أرضه، ويعزز صموده، ويدافع عن حقوقه، ويحفظ هويته، ويمنع اقتلاعه من جذوره.

الثابت الوطني هو أن يبقى البيت قائمًا،وأن تبقى المدرسة تؤدي رسالتها ،وأن يبقى المسجد عامرًا ،وأن تبقى الأوقاف محفوظة، وأن يبقى المجتمع متماسكًا أمام محاولات التفكيك.

الثابت الوطني هو أن يجد الشاب من يأخذ بيده بعيدًا عن الجريمة والعنف والمخدرات ،وأن تجد الأسرة من يقف معها في أزماتها ،وأن يجد الفقير من يخفف عنه ،وأن يشعر المواطن بأن هناك من يدافع عن حقوقه في المحاكم، وفي المؤسسات، وفي الإعلام، وفي البرلمان، وفي الميدان.

هذه كلها ليست تفاصيل هامشية، بل هي جوهر الصمود الوطني ، والبقاء الوجودي ،والتماسك المجتمعي.  

ومن المؤسف أن يتحول النقاش الوطني إلى منافسة في رفع الشعارات، بينما يغيب السؤال عن حجم الإنجاز وحجم التضحية ،فالذين يتحدثون كثيرًا عن الثوابت الوطنية، مدعوون أيضًا للإجابة عن أسئلة بسيطة:

كم مؤسسة أقاموا لخدمة مجتمعهم؟

كم مشروعًا حافظ على هوية الناس؟

كم بيتًا حُمِي من الهدم؟

كم وقفًا حُفظ؟

كم طالبًا دُعم؟

كم أسرة أُعينت؟

كم شابًا أُبعد عن دوائر العنف والجريمة؟

وكم مرة دفعوا هم أنفسهم ثمنًا شخصيًا بسبب مواقفهم؟

فالوطنية لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بثقل المسؤولية.ولا تُقاس بعدد البيانات، وإنما بعدد المبادرات.

ولا تُقاس بكثرة الاتهامات للآخرين، وإنما بما يقدمه الإنسان لمجتمعه.

وليس المقصود من هذا المقال تبرئة أحد من الخطأ، فكل تجربة بشرية قابلة للنقد والمراجعة، وكل حركة أو حزب أو مؤسسة يمكن أن تصيب وتخطئ ،لكن النقد المنصف يقتضي أن يُنظر إلى التجربة كاملة، لا أن تُختزل في زاوية واحدة، أو تُحاكم بمعايير تختلف من طرف إلى آخر.

إن مجتمعنا اليوم بحاجة إلى مراجعة حقيقية لمعنى الوطنية ،فالوطنية ليست احتكارًا للكلمات، ولا مزايدة في الخطابات، ولا سباقًا في توزيع صكوك الانتماء وصكوك الغفران.   

الوطنية مسؤولية.

والوطنية بناء 

والوطنية تضحية.

والوطنية أن تعمل بصمت حين يكثر الضجيج.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل صاحب ضمير:

إذا كانت حماية الإنسان، وصون الهوية، ورعاية الأوقاف، وخدمة المجتمع، والدفاع عن المقدسات، وتعزيز الصمود ليست من الثوابت الوطنية… فماذا تبقى من الثوابت الوطنية؟

وسيبقى سؤال آخر لا يقل أهمية:من الذي يرفع شعار الثوابت الوطنية… ؟ومن الذي يدفع ثمنها؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio