لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية تحويل نحو خمسمائة مليون شيكل من الأموال المخصصة للمجتمع العربي ضمن الخطة الحكومية 550 إلى جهاز الشاباك والشرطة مجرد تعديل في بنود الموازنة، بل كشف عن فلسفة سياسية كاملة تنظر إلى المواطنين العرب باعتبارهم قضية أمنية قبل أن يكونوا مواطنين لهم حقوق في التنمية والتعليم والاقتصاد والثقافة.
فالخطة 550 لم تأتِ من فراغ، وإنما وُضعت بعد سنوات طويلة من الاعتراف الرسمي بالفجوات العميقة التي تفصل المجتمع العربي عن المجتمع اليهودي في مجالات التعليم والبنية التحتية والإسكان والثقافة والتنمية الاقتصادية وسلطات الحكم المحلي. وكانت الفكرة الأساسية تقوم على أن الاستثمار في الإنسان العربي هو الطريق الأقصر لتقليص الفوارق وبناء مجتمع أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات الاجتماعية التي تراكمت على مدار عقود.
لكن الحكومة الحالية بقيادة نتانياهو بن غفير وسموتريتش قررت عمليًا إلغاء هذا المنطق بالكامل. فالميزانيات التي كان يفترض أن تصل إلى المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والسلطات المحلية والمشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة لم تعد مخصصة للتنمية، بل أصبحت مصدرًا لتمويل المؤسسة الأمنية، وكأن المشكلة الأساسية في المجتمع العربي ليست غياب فرص العمل ولا أزمة التعليم ولا ضعف السلطات المحلية، وإنما تحتاج فقط إلى مزيد من الأجهزة الأمنية وسيطرتها.
والأخطر من ذلك أن هذا القرار يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن التنمية لم تعد أولوية عندما يتعلق الأمر بالمجتمع العربي. ففي الوقت الذي خصصت فيه الحكومة خلال الأشهر الماضية مليارات الشواقل لقطاعات مختلفة في الدولة، من بينها الأحزاب الدينية والحريديم والمستوطنات ومناطق أخرى، لم تجد أي حرج في اقتطاع الأموال التي خُصصت أصلًا للمجتمع العربي وتحويلها إلى الشاباك ووزارة الأمن القومي. وهذا يعني أن المجتمع العربي أصبح الخزان المالي الأسهل الذي يمكن السحب منه كلما احتاجت الحكومة إلى تمويل مشروع أمني جديد.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });والمفارقة أن الحكومة تبرر هذه الخطوة بأنها تهدف إلى مكافحة الجريمة. غير أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية تقول العكس تمامًا. فقد ارتفع عدد ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي إلى مستويات غير مسبوقة، بينما بقيت نسب الكشف عن الجرائم متدنية بصورة تثير كثيرًا من علامات الاستفهام. ولو كانت المشكلة نقصًا في الصلاحيات أو في الميزانيات الأمنية، لما استمرت هذه الظاهرة في الاتساع عامًا بعد عام.
وفي المقابل، تكشف طريقة تعامل الشرطة مع الجرائم في المجتمع اليهودي عن صورة مختلفة تمامًا. فالأجهزة الأمنية تتحرك بسرعة، وتُسخر وسائلها الاستخبارية والتكنولوجية كافة للوصول إلى الجناة، وتُنجز التحقيقات خلال فترات زمنية قصيرة في كثير من القضايا الجنائية. أما عندما تقع الجريمة في المجتمع العربي، فإن التحقيقات تطول، والملفات تتراكم، ويبقى القتلة في كثير من الأحيان خارج دائرة المحاسبة، الأمر الذي رسخ شعورًا عامًا بأن حياة المواطن العربي لا تحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها حياة المواطن اليهودي.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن المناخ السياسي الذي تعيشه إسرائيل في المرحلة الحالية. فالحكومة التي يقودها بنيامين نتنياهو تمضي في تعزيز حضور المؤسسة الأمنية في كل ما يتعلق بالمجتمع العربي، فبينما تتراجع بصورة متواصلة عن الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية التي تعهدت بها الحكومات السابقة. كما أن تعيين دافيد زيني رئيسًا للشاباك، وما أثاره من جدل واسع داخل المؤسسة الأمنية والسياسية، يعكس توجهًا يمنح الاعتبارات السياسية مساحة متزايدة في عمل المؤسسات الأمنية، وهو ما يزيد المخاوف من أن تتحول هذه الميزانيات إلى أداة رقابة وسيطرة أكثر منها وسيلة لمعالجة الجريمة.
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فقد وجد في القرار فرصة جديدة لتوسيع نفوذ وزارته، رغم أن حصيلة السنوات الماضية لا تقدم أي دليل على نجاح السياسات الأمنية وحدها في الحد من العنف داخل المجتمع العربي. فالجريمة ليست ظاهرة منفصلة عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية، وإنما هي نتيجة مباشرة للتهميش المزمن، وضعف الاستثمار في التعليم، وغياب فرص العمل، وتراجع الخدمات العامة، وانتشار السلاح، وفقدان الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
ومن اللافت أيضًا أن ردود الفعل السياسية العربية جاءت دون مستوى الحدث. فالقرار لا يتعلق بتحويل مبلغ مالي فحسب، وإنما بإلغاء أحد أهم المشاريع الحكومية التي اعترفت، ولو جزئيًا، بحق المجتمع العربي في التنمية. وكان من المنتظر أن يتحول هذا الملف إلى معركة سياسية وبرلمانية وقانونية، لأن المسألة تمس مستقبل أجيال كاملة، لا مجرد بند في قانون الموازنة.
إن الحكومات التي تريد فعلًا محاربة الجريمة تبدأ بالاستثمار في المدرسة، والجامعة، والثقافة، والسلطة المحلية، وفرص العمل، وتمكين الشباب، لا بتحويل ميزانيات التنمية إلى أجهزة الأمن. أما عندما تصبح الأموال المخصصة لبناء المجتمع وقودًا للمؤسسة الأمنية، فإن الرسالة تكون واضحة: الدولة لا ترى في المجتمع العربي شريكًا في التنمية، بل ملفًا أمنيًا يجب إدارته.
ولهذا، فإن تحويل ميزانيات الخطة 550 إلى الشاباك لا يمثل مجرد قرار مالي عابر، بل يعكس تحولًا سياسيًا عميقًا في نظرة الحكومة إلى المواطنين العرب. إنه انتقال من سياسة تقليص الفجوات، مهما كانت محدودة، إلى سياسة أمننة المجتمع العربي، حيث تحل الأجهزة الأمنية محل المدارس، وتُستبدل الثقافة بالمراقبة، ويصبح الاقتصاد ضحية جديدة لحسابات السياسة. ومثل هذا النهج لن يقضي على الجريمة، بل سيعمق أسبابها، ويزيد الفجوة بين الدولة ومواطنيها العرب، ويؤكد أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تُبنى بعقلية أمنية مهما بلغت ميزانياتها.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio