مقالات

أزمة العمل السياسي... لا أزمة التمثيل البرلماني

المحامي علي حيدر 16:56 27/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

أزمة العمل السياسي... لا أزمة التمثيل البرلماني

المحامي علي حيدر 

بلا شك أن شعبنا الفلسطيني، في جميع أماكن وجوده، يعيش واحدة من أصعب وأقسى مراحله التاريخية، في غزة، والضفة الغربية، والقدس، والداخل، والشتات. وما نواجهه اليوم ليس مجرد تحديات أو أزمات ظرفية، من الإبادة والتجويع والتهجير في غزة، إلى الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، وصولًا إلى اعتداءات المستوطنين في بلدة تل وما أعقبها من أعمال إجرامية تمثلت في إحراق المساجد والبيوت والمركبات، بل هو تعبير عن تحولات بنيوية عميقة تراكمت على مدار سنوات طويلة في المجتمع الإسرائيلي وفي طبيعة المشروع السياسي الذي يحكم الدولة. صحيح أن الحكومة الحالية تؤدي دورًا مركزيًا في تعميق هذه المرحلة، لكنها تعكس في جوهرها مسارًا سياسيًا واجتماعيًا سبقها ومهّد لها.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

وإذا كانت هذه التحديات تفرض على الشعب الفلسطيني بأسره إعادة التفكير في أدواته ومؤسساته ورؤاه، فإن فلسطينيي الداخل يواجهون، إلى جانب هذه التحديات العامة، أسئلة خاصة تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي والعمل السياسي وأولوياتهما. فنحن بحاجة إلى قيادات تمتلك الكفاءة والرؤية وتحظى بثقة المجتمع وشرعيته، كما نحن بحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الجماعية وتعزيزها، بما يفعّل الحوار الداخلي، ويستعيد الثقة العامة، ويؤسس لعمل سياسي قادر على إحداث تغيير حقيقي ومستدام.

إن المتابع للمشهد السياسي يلحظ أن معظم النقاشات تدور حول انتخابات الكنيست، والتحالفات الحزبية، وتركيبة القوائم، وترتيب المرشحين، بينما يتراجع النقاش حول السياسات والرؤى والأولويات الاستراتيجية للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب في سياق أي عملية انتخابية، لكن المقلق هو أن هذا الاختزال لم يعد ظاهرة ثانوية، بل أصبح السمة الغالبة للحياة السياسية خلال السنوات الأخيرة، حتى بدا وكأن السياسة اختُزلت في الانتخابات، والمشروع الوطني في عدد المقاعد البرلمانية أو في التوصية على هذا المرشح أو ذاك لتشكيل الحكومة.

لا شك أن العمل الحزبي يمثل أحد أرقى أشكال العمل السياسي، وأن الأحزاب كانت، تاريخيًا، الإطار الرئيس الذي صاغ الوعي الوطني، وقاد النضال الجماعي، وبلور البرامج والرؤى. غير أن دورها خلال السنوات الأخيرة أخذ يتراجع، ليس فقط على مستوى حضورها الجماهيري، وإنما أيضًا في قدرتها على إنتاج الأفكار، والتوفيق الدقيق والحساس بين الهوية الوطنية والاحتياجات الحياتية، وبين الحقوق القومية والمدنية، الفردية والجماعية وتأطير المجتمع، وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وبناء الثقة بينها وبين جمهورها.

غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في ضعف الأحزاب أو في محدودية التمثيل البرلماني فحسب، بل في غياب مشروع وطني مجتمعي جامع يعيد تنظيم المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، ويحدد أولوياته، ويعيد بناء مؤسساته، ويعزز ثقته بنفسه. فالأزمة، في جوهرها، ليست أزمة تمثيل سياسي بقدر ما هي أزمة إعادة بناء المجتمع واستعادة قدرته على إنتاج المبادرة والقيادة والتنظيم الذاتي وعرض مقترحات على الدولة والمجتمع في إسرائيل، وليس الإنجرار خلف الخطاب واللغة والممارسات السياسية الإسرائيلية.

لا يمكن إصلاح العمل السياسي العربي في الداخل من خلال الكنيست وحدها، بل يبدأ الإصلاح الحقيقي، قبل كل شيء، من خارجها. وهذا لا يعني الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات أو التقليل من أهمية التمثيل البرلماني، وإنما إعادة وضع الكنيست في حجمها الطبيعي باعتبارها إحدى أدوات العمل السياسي، لا المشروع السياسي بأكمله.

وقد أفضت التجربة البرلمانية، بصيغتها التي سادت خلال السنوات الأخيرة، إلى خفض سقف الخطاب الوطني، وتمييع الممارسة السياسية، وتشتيت الجهد الجماعي، وترسيخ أوهام بإمكان تحقيق تحولات جوهرية من داخل الكنيست وحدها، وهو ما انعكس في تراجع ثقة الجمهور بالسياسة وتغلغل بعض الأحزاب الصهيونية في المجتمع العربي..إلخ.

ويبدو أن السنوات القريبة لن تشهد تحولات جوهرية في مكانة المجتمع العربي عبر العمل البرلماني وحده، كما أن التجربة المتراكمة لا تسمح بالتعويل على معسكرات منافسي نتنياهو لإحداث تغيير حقيقي في السياسات تجاه المواطنين العرب. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بأشخاص أو حكومات بعينها، وإنما ببنية سياسية إسرائيلية تتجه باطراد نحو مزيد من التشدد القومي، وتضييق هامش الحريات والحقوق، بما في ذلك مفهوم المواطنة نفسه بوصفه الإطار الناظم للعلاقة بين المواطن والدولة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تحسين الأداء البرلماني أو إعادة ترتيب الخريطة الحزبية، بل يبدأ بإعادة بناء المجتمع نفسه: مؤسساته، وقياداته، وثقته بذاته، وقدرته على تنظيم قواه وتحديد أولوياته. وفي هذا السياق، يصبح العمل الشعبي والبلدي والجماهيري الساحة الأساسية لهذا المشروع، إلى جانب الاستثمار في التربية والثقافة والهوية، وبناء القدرات الجمعية، وتعزيز المجتمع الأهلي، وبناء النقابات والاتحادات المهنية وتطوير السلطات المحلية، وإعداد قيادات جديدة تحمل رؤية بعيدة المدى. أما الكنيست، فتبقى أداة مهمة من أدوات العمل السياسي، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا عن المجتمع، ولا أن تحل محل مشروعه الجماعي.

وقد تمنح الكنيستُ المجتمعَ منبرًا، وهذا أمرٌ مهم  (رغم تضييق هذا الحيز أيضاً في السنوات الأخيرة)، لكنها لا تستطيع أن تمنحه مشروعًا وطنيًا جامعًا، ولا أن تبني له مؤسسات، ولا أن تُنتج له قيادةً. فهذه مهمةُ المجتمع نفسه، يضطلع بها بالتعاون مع مجمل القوى الفاعلة فيه، ومن خلالها وحدها يمكن استعادة السياسة بوصفها فعلًا وطنيًا لا مجرد تمثيلٍ برلماني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio