لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد عملية عسكرية محدودة تهدف إلى الضغط على طهران أو تحسين شروط التفاوض معها بل بدأت تتحول إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات تحمل مخاطر حرب استنزاف طويلة يصعب على أي طرف التحكم في مسارها أو تحديد نتائجها
فالضربات الجوية الأمريكية الليلية التي تستهدف مواقع استراتيجية ومنشآت للطاقة وجسورًا وبنى تحتية حيوية داخل إيران تكشف عن محاولة واضحة لإضعاف قدرة الدولة الإيرانية على الصمود وإرباك بنيتها العسكرية والاقتصادية دون الانزلاق إلى حرب برية شاملة كل ذلك حسب المفهوم العسكري الكلاسيكي الأمريكي والذي لم يأخذ بالحسبان انزلاق أمريكا في العراق وأفغانستان.
ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تراهن على التفوق الجوي والبحري وعلى استمرار الضربات الجوية لدفع القيادة الإيرانية إلى القبول بوقف إطلاق النار أو الدخول في مفاوضات بشروط أمريكية جديدة
لكن الحسابات الإيرانية تبدو مختلفة، فطهران لم تتعامل مع الضربات الأمريكية باعتبارها حربًا تجري داخل أراضيها فقط بل اختارت نقل المواجهة إلى المجال الإقليمي عبر استهداف القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج والأردن
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وقد أصبحت البحرين وقطر والكويت والأردن جزءًا مباشرًا من المعركة بسبب وجود قواعد ومنشآت أمريكية استراتيجية على أراضيها وهو ما جعل الرد الإيراني يتجاوز حدود المواجهة الثنائية بين واشنطن وطهران، ولا تسعى إيران بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي على الولايات المتحدة بقدر ما تهدف إلى رفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها
فكل هجوم على قاعدة أمريكية في الخليج وكل تهديد للمطارات والموانئ والمنشآت العسكرية هناك يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية تتعلق بقدرتها على مواصلة الحرب من أراضي دول حليفة لا تريد بالضرورة أن تتحول إلى ساحات قتال مفتوحة
وهنا تظهر المعضلة الخليجية بوضوح، فهذه الدول تستضيف القوات الأمريكية وتوفر لها القواعد والموانئ والمطارات لكنها في الوقت نفسه لا تريد دفع ثمن الحرب عبر تعرض مدنها ومنشآتها الحيوية لهجمات إيرانية متواصلة، وقد يتحول هذا الوضع إلى مصدر ضغط سياسي على واشنطن إذا طال أمد المواجهة وبدأت الخسائر الاقتصادية والأمنية بالتزايد
وفي الوقت نفسه دخل الحوثيون على خط الأزمة من خلال استهداف أهداف ومصالح سعودية في منطقة باب المندب والبحر الأحمر وهو تطور يفتح جبهة جديدة ذات أهمية استراتيجية بالغة، فباب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأي تصعيد عسكري فيه يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على حركة التجارة والطاقة الدولية ويزيد الضغط على السعودية والولايات المتحدة في آن واحد.
وبذلك بدأت الحرب تأخذ شكل شبكة من الجبهات المترابطة
ضربات أمريكية في العمق الإيراني رد إيراني على القواعد الأمريكية في الخليج والأردن وضغط حوثي على المصالح السعودية في البحر الأحمر وباب المندب وهذه المعادلة تجعل أي تصعيد جديد قابلًا للانتقال بسرعة من جبهة إلى أخرى
وفي قلب الأزمة يبرز سؤال مهم يتعلق بسبب عدم مشاركة إسرائيل بصورة مباشرة في العمليات العسكرية الحالية ضد إيران، فقد اعتادت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال السنوات الماضية على التنسيق في مواجهة طهران وشاركتا في عمليات عسكرية واستخباراتية ضد أهداف إيرانية, لكن المشهد الحالي يبدو مختلفًا, فترامب لا يريد على ما يبدو أن تظهر الحرب باعتبارها عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة أو أن يترسخ الانطباع بأن بنيامين نتنياهو هو الذي دفع واشنطن إلى مواجهة جديدة مع إيران.
ويريد الرئيس الأمريكي أن يظهر باعتباره صاحب القرار الوحيد وأن الولايات المتحدة قادرة على إدارة الحرب وفرض شروطها من دون الاعتماد على مشاركة إسرائيلية مباشرة، كما أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو شهدت مؤشرات على خلافات سياسية تتعلق بأهداف الحرب وطريقة إدارتها وتوقيتها.
وتوجد داخل واشنطن أصوات ترى أن الحكومة الإسرائيلية ساهمت في دفع ترامب والولايات المتحدة إلى مواجهة قد تكون تكلفتها أكبر من نتائجها، ومن جهة أخرى فإن مشاركة إسرائيل في الهجمات قد تضع دول الخليج أمام مأزق بالغ الخطورة، فإذا استخدمت الطائرات الإسرائيلية أجواء هذه الدول لضرب أهداف إيرانية فإن الرد الإيراني قد يتحول بصورة مباشرة ضد الدول التي تسمح بذلك، ولهذا قد يكون عدم إشراك إسرائيل قرارًا أمريكيًا يهدف إلى تجنب توسيع دائرة الحرب وإبقاء دول الخليج خارج المواجهة المباشرة قدر الإمكان
كما أن قضية طائرات التزود بالوقود الأمريكية كشفت عن حساسيات إضافية بين واشنطن وتل أبيب، فوجود عشرات الطائرات الأمريكية في مطار اللد أثار اعتراضات إسرائيلية بسبب تأثيره على حركة الطيران المدني وطالبت وزارة المواصلات الإسرائيلية بنقل هذه الطائرات إلى مواقع أخرى أو إلى قواعد عسكرية
وقد رأى بعض المعلقين الأمريكيين أن هذا الموقف لا ينسجم مع متطلبات الحرب في وقت تبحث فيه القيادة العسكرية الأمريكية عن مواقع آمنة لطائراتها خصوصًا أن القواعد الأمريكية في الخليج أصبحت معرضة للهجمات الإيرانية،
فالبحرين تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي وقطر تستضيف قاعدة العديد والكويت تضم منشآت عسكرية أمريكية مهمة فيما أصبح الأردن جزءًا من شبكة العمليات الأمريكية في المنطقة.
ومع استمرار الهجمات تصبح هذه القواعد أكثر كلفة من الناحية الأمنية والسياسية، وتجد دول الخليج نفسها أمام خيارين صعبين إما الاستمرار في دعم الوجود الأمريكي وتحمل خطر الرد الإيراني أو محاولة تقليص هذا الوجود وهو ما قد يؤدي إلى أزمة استراتيجية مع واشنطن
لكن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي أن التفوق الجوي لا يعني القدرة على حسم الحرب، فالولايات المتحدة تستطيع تدمير منشآت استراتيجية وضرب أهداف للطاقة والبنية التحتية لكنها لا تملك قوة برية كبيرة قادرة على احتلال إيران أو السيطرة على أراضيها، وهنا يختلف الوضع جذريًا عن العراق عام 2003 عندما حشدت واشنطن مئات الآلاف من الجنود وتمكنت من احتلال جزء من البلاد
فإيران دولة أكبر وأكثر تعقيدًا وتمتلك قدرات صاروخية واسعة وشبكة من القوى الحليفة القادرة على فتح جبهات متعددة
ومن ثم فإن استمرار القصف قد يؤدي إلى عكس الهدف الأمريكي فبدلًا من إخضاع إيران قد تتحول الحرب إلى استنزاف للقوات الأمريكية والقواعد المنتشرة في المنطقة، وكلما طال أمدها ازدادت الضغوط على الدول الخليجية المضيفة وارتفعت احتمالات توسع المواجهة
فالحروب الطويلة لا تحسم دائمًا بالتفوق العسكري وحده وقد تتحول الضربات الأمريكية إلى بداية لحرب إقليمية واسعة إذا استمرت إيران في الرد على القواعد الأمريكية وواصل الحوثيون استهداف المصالح السعودية في البحر الأحمر، كما أن استمرار ضرب منشآت الطاقة والجسور والبنى المدنية الإيرانية قد يدفع طهران إلى توسيع نطاق ردها بدلًا من التراجع
ولهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات قوية لإيران بل ما إذا كانت قادرة على تحمل حرب طويلة تدار من قواعد موجودة في دول حليفة وتتعرض في الوقت نفسه لهجمات متواصلة
وفي المقابل لا تبدو إيران مستعدة لقبول الشروط الأمريكية بسهولة أو تقديم تنازلات تحت الضغط العسكري وقد تراهن على عامل الوقت وعلى اتساع الجبهات وعلى تزايد القلق داخل دول الخليج
أما إسرائيل التي بقيت خارج الحرب المباشرة فقد تكون قد تجنبت في هذه المرحلة ردًا إيرانيًا واسعًا لكنها لا تزال جزءًا أساسيًا من الحسابات العسكرية والاستراتيجية الأمريكية
وفي النهاية فإن هذه المواجهة قد تنتهي إلى نتيجة مختلفة عن أهدافها المعلنة
فإذا لم تستطع واشنطن تحقيق حسم سريع فقد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن وسطاء وقنوات تفاوضية لوقف إطلاق النار، وإذا استمرت طهران في الرد الإقليمي فقد تتحول الحرب إلى استنزاف طويل يمتد من إيران إلى الخليج والأردن والبحر الأحمر
وعندها لن تكون المعركة مجرد مواجهة بين دولتين بل أزمة إقليمية شاملة تهدد أمن الطاقة والملاحة والاستقرار السياسي العالمي.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio