خاطرة

حين تصبح السيرة وطنًا

رانية مرجية  18:39 23/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

حين تصبح السيرة وطنًا

قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم أحمد

بقلم رانية مرجية 

ليست السيرة الروائية مجرد نقلٍ لحياة شخصية معروفة إلى فضاء التخييل، بل هي اختبار لقدرة الرواية على تحرير الشخصية من سلطة الوقائع. فما إن تصبح الشخصية جزءًا من التاريخ حتى يفقد السرد امتياز المفاجأة، ويجد نفسه أمام تحدٍ مختلف: كيف يحوّل ما هو معروف إلى تجربة جمالية قابلة للاكتشاف من جديد؟ ومن هنا لا تُقرأ رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» بوصفها إعادة بناء لسيرة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، بل بوصفها محاولة لإعادة بناء الذاكرة التي صنعت تلك السيرة، وجعلتها تتجاوز حدود الفرد لتصبح جزءًا من السردية الفلسطينية الحديثة.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

يكشف النص عن هذا الاختيار منذ بدايته. فالرنتيسي لا يدخل الرواية أولًا، وإنما يسبقه المكان. تستعيد الرواية رنتيس ويبنا، وتعيد رسم ملامحهما وتاريخهما، قبل أن تمنح الشخصية الرئيسة حقها في الظهور.-وهذه البداية ليست استطرادًا توثيقيًا، كما قد تبدو للوهلة الأولى، وإنما إعلان عن أن الحكاية تبدأ من الأرض قبل الإنسان، وأن السيرة لا تُفهم إلا داخل الجغرافيا التي أنجبتها.

إن المكان في هذه الرواية لا يؤدي وظيفة الخلفية التي تتحرك عليها الشخصيات، بل يتحول إلى بنية منتجة للمعنى. فاستعادة أسماء القرى، ووصف تضاريسها، والإلحاح على تفاصيلها، لا يهدف إلى استكمال صورة تاريخية ناقصة، وإنما إلى مقاومة محوها من الوعي. ولهذا تبدو الكتابة نفسها فعلًا من أفعال الاستعادة؛ فما خسره الفلسطيني في الواقع تحاول الرواية أن تسترده في اللغة، وكأنها تؤكد أن الذاكرة تبدأ حين يصبح المكان قابلًا لأن يُروى.

ومن هنا أيضًا يتحدد موقع الرنتيسي داخل العمل. فالرواية لا تبني بطلاً استثنائيًا منفصلًا عن محيطه، بل تجعل من الشخصية نقطة التقاء بين الفردي والجمعي. إن أهميتها لا تنبع من فرادة تجربتها، وإنما من قدرتها على تمثيل تجربة جيل كامل تشكل وعيه في المخيم، وحمل آثار النكبة بوصفها تجربة يومية لا حدثًا من الماضي. ولذلك لا يلبث القارئ أن يكتشف أن الشخصية، كلما تقدمت الرواية، تفسح المجال لذاكرة أوسع منها، حتى يغدو الرنتيسي حاملًا للذاكرة أكثر منه مركزًا للسرد.

ويأتي المشهد الذي يولد فيه الطفل قابضًا على حجر ليكشف هذا المنطق الرمزي منذ الصفحات الأولى. فالحجر لا يؤدي دور النبوءة، ولا يسعى إلى صناعة بطولة مبكرة، بل يختزل تاريخًا ينتقل من جيل إلى آخر. إن الرواية لا تقول إن الطفل اختار المقاومة، بل تقول إن الذاكرة سبقته إليها، وإن الإنسان الفلسطيني يولد داخل تاريخ لم يبدأ به، لكنه سيواصل حمله.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الرواية؛ فهي لا تستخدم الرمز بوصفه زينة أسلوبية، وإنما تجعله جزءًا من بنية المعنى. فالحجر، والمكان، والقرية، والمخيم، ليست عناصر منفصلة، بل مفردات في شبكة دلالية واحدة، تجعل الهوية نتاج علاقة مستمرة بين الإنسان وذاكرته، لا بين الإنسان وحاضره وحده

وتزداد هذه الرؤية وضوحًا في الطريقة التي يتعامل بها النص مع التاريخ. فالكاتب يصرّح منذ المقدمة باعتماده على مصادر تاريخية، وبحرصه على أن تكون الوقائع منسجمة مع ما أثبتته المراجع. -غير أن أهمية هذا الإعلان لا تكمن في تأكيد صدقية الأحداث، وإنما في تحديد وظيفة الرواية نفسها. فالتاريخ هنا ليس غاية مستقلة، بل مادة أولية يعيد السرد تشكيلها ليكشف ما لا تستطيع الوثيقة أن تقوله؛ إذ إن الوثيقة تحفظ الحدث، لكنها لا تحفظ أثره في النفوس، بينما ينشغل الأدب بهذا الأثر بوصفه جوهر التجربة الإنسانية.

لهذا تبدو الرواية، في أفضل صفحاتها، منشغلة بما يتركه الاقتلاع في الوعي أكثر من انشغالها بوصف الاقتلاع نفسه. فحين تصوّر الخروج من القرية، لا تكتفي بسرد حركة الرحيل، وإنما تمنح المكان حضورًا عاطفيًا يجعل البيوت والحقول والطرقات امتدادًا للشخصيات، لا مجرد فضاء تتحرك فيه.  وعند هذه النقطة يتجاوز النص التوثيق إلى الأدب؛ لأن القارئ لا يواجه حدثًا تاريخيًا مجردًا، بل يختبر إحساس الفقد الذي يصنعه ذلك الحدث.

ومع ذلك، فإن هذا المشروع لا يخلو من ملاحظة فنية. فحرص الكاتب على تثبيت المادة التاريخية يدفع السرد، في بعض المقاطع، إلى شيء من البطء، إذ تتقدم المعلومات أحيانًا على الحركة الدرامية، ويطول الشرح حيث كان يمكن للمشهد أن ينهض بالمهمة وحده. وليس في هذا ما ينتقص من قيمة الرواية، لكنه يكشف عن مفارقة تواجه كثيرًا من الأعمال التي تكتب على تماس مع التاريخ؛ فالرغبة في حماية الذاكرة قد تُغري الكاتب بالاحتفاظ بكل ما يراه مهمًا، بينما تميل الرواية بطبيعتها إلى الانتقاء والاختزال.

على الرغم من ذلك، يظل النص محافظًا على توازن معقول بين أمانة التوثيق وحرية التخييل. فلا تتحول الشخصية إلى مجرد شاهد على الوقائع، ولا تتحول الوقائع إلى عبء يثقل الشخصية. بل يبقى كل منهما محتاجًا إلى الآخر؛ فالتاريخ يمنح السرد جذوره، بينما يمنح السرد التاريخ صوته الإنساني.

ولعل هذا ما يميز الرواية داخل سياق السرد الفلسطيني المعاصر. فهي لا تجعل من عبد العزيز الرنتيسي بطلًا يُحتفى به لذاته، بل تجعل منه نافذة تطل منها على سؤال أعمق: كيف تستطيع الذاكرة أن تحفظ وطنًا فقد حضوره المادي؟ ومن ثم لا تبدو السيرة غاية الرواية، وإنما وسيلتها إلى استعادة المعنى الإنساني لفلسطين، بعيدًا عن المباشرة والخطابة.

إن القيمة الفنية لـ**«فتى المخيمات.. الطبيب الثائر»** لا تُقاس بما تضيفه إلى السيرة المعروفة لعبد العزيز الرنتيسي، بل بما تضيفه إلى فهمنا لوظيفة السرد نفسه. فهي تذكرنا بأن الرواية لا تنافس التاريخ في تسجيل الوقائع، وإنما تكمل ما يعجز عنه؛ إذ تعيد الإنسان إلى قلب الحدث، وتجعل الذاكرة، لا الوثيقة، المجال الذي تُختبر فيه حقيقة التجربة.

وحين يفرغ القارئ من الرواية، يكتشف أن الشخصية التي بقيت في ذاكرته ليست عبد العزيز الرنتيسي وحده، بل فلسطين وهي تستعيد أسماء قراها، ووجوه ناسها، وأثر غيابهم. عند هذه اللحظة تحديدًا تتجاوز الرواية حدود السيرة التاريخية، وتحقق شرطها الأدبي الأهم: أن تجعل من الإنسان طريقًا إلى الوطن، ومن الوطن ذاكرةً لا يستطيع النسيان أن ينتصر عليها.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio