منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، لم يعد الخبر الصادم هو سقوط الضحايا، بل تحول إلى مشهد يومي يكاد يفقد العالم حساسيته تجاهه. جنازة تتحول إلى مأتم أكبر، وحي سكني يستيقظ على دوي الغارات، وعائلات تُنتشل من تحت الأنقاض بعدما كانت تحاول الاحتماء بما تبقى من منازلها. وبين كل تلك المشاهد المروعة، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: إلى متى سيظل المدنيون يدفعون الثمن الأكبر لصراع تتجاوز كلفته حدود السياسة والعسكر إلى الإنسان ذاته؟ والأهم من ذلك، إلى متى ستستمر الممارسات التي تزيد من احتمالات تعرض المدنيين للخطر، في وقت أصبح فيه كل خطأ أو قرار ميداني يعني عشرات الأرواح التي لا ذنب لها سوى أنها وجدت في المكان الخطأ؟
ليس من المقبول أخلاقيًا أو إنسانيًا أن يتحول المدني إلى الحلقة الأضعف في معادلة الحرب. فالقانون الدولي الإنساني لم يأتِ عبثًا عندما شدد على ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والمناطق المدنية، وفرض على أطراف النزاعات اتخاذ كل التدابير الممكنة لحماية السكان. وهذه المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل تشمل جميع الأطراف دون استثناء، لأن حماية المدنيين ليست خيارًا سياسيًا، وإنما التزام قانوني وأخلاقي لا يسقط تحت أي ظرف.
وفي هذا السياق، تبرز انتقادات متكررة بشأن تحركات عناصر حماس داخل مناطق مكتظة بالسكان، وهو ما تقول إسرائيل إنه يؤدي إلى استهداف تلك المواقع خلال عملياتها العسكرية. وبغض النظر عن السجال السياسي حول هذه الرواية أو غيرها، فإن النتيجة التي لا يمكن إنكارها هي أن المدنيين هم أول من يدفع الثمن عندما تتداخل الأنشطة العسكرية مع الأحياء السكنية. فكلما اقتربت العمليات العسكرية من المدارس والمنازل والأسواق ومراكز الإيواء، ازدادت احتمالات وقوع خسائر بشرية واسعة، وتحولت حياة السكان إلى رهينة لأي مواجهة قد تندلع في محيطهم.
لقد أثبتت تجارب الحروب الحديثة أن استخدام المناطق المدنية كمسرح للعمليات العسكرية يحمل مخاطر جسيمة على السكان، حتى عندما يختلف المتابعون حول المسؤولية القانونية أو السياسية عن كل حادثة بعينها. فالنتيجة العملية واحدة: أطفال يقتلون، ونساء يفقدن أسرهن، وشيوخ يواجهون الموت تحت الأنقاض، بينما تستمر الأطراف المتحاربة في تبادل الاتهامات وتحميل بعضها بعضًا مسؤولية ما جرى. أما الضحية، فلا يهمها كثيرًا من انتصر في السجال الإعلامي، لأنها فقدت كل شيء بالفعل.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وفي المقابل، فإن امتلاك أي طرف لذريعة أمنية أو عسكرية لا يعفيه من التزاماته تجاه المدنيين. فالقانون الدولي يفرض على القوات المهاجمة أيضًا واجب التحقق من الأهداف العسكرية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي قد تلحق بالسكان، واحترام مبدأي التناسب والتمييز. ومن ثم، فإن حماية المدنيين مسؤولية مشتركة، لا يمكن لأي طرف أن يتنصل منها بإلقاء اللوم بالكامل على الطرف الآخر. غير أن هذه الحقيقة لا تلغي في الوقت نفسه ضرورة مراجعة أي ممارسات قد تؤدي إلى زيادة المخاطر على السكان أو تجعلهم أكثر عرضة لنيران الحرب.
إن القضية الحقيقية ليست فقط من يتحمل المسؤولية القانونية عن كل ضربة أو كل عملية عسكرية، وإنما كيف يمكن منع تكرار المأساة ذاتها. فحين تتحول الأحياء السكنية إلى ساحات مواجهة، يصبح المدنيون عمليًا محاصرين بين طرفين، ويصبح الموت احتمالًا قائمًا في كل لحظة. لذلك فإن أي استراتيجية عسكرية أو سياسية لا تضع سلامة المدنيين في مقدمة أولوياتها هي استراتيجية تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية الإنسانية، مهما كانت الشعارات التي ترفعها أو الأهداف التي تعلنها.
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق أن استمرار هذا الواقع يكرس دورة لا تنتهي من العنف والكراهية، ويعمق المأساة الإنسانية في غزة عامًا بعد عام. فالأطفال الذين يكبرون وسط الدمار، والعائلات التي تفقد بيوتها وأحباءها، والمجتمع الذي يعيش تحت وطأة الخوف الدائم، جميعهم يدفعون ثمن خيارات لم يكونوا طرفًا في اتخاذها. ومن هنا، فإن أي حديث عن مستقبل أفضل للقطاع لا يمكن أن يبدأ إلا من مبدأ بسيط وواضح: إبعاد المدنيين عن ساحات القتال بكل الوسائل الممكنة، وعدم تحويلهم إلى جزء من الحسابات العسكرية لأي طرف.
لقد آن الأوان لأن تصبح حياة الإنسان هي المعيار الأول في تقييم أي سلوك عسكري أو سياسي. فلا يمكن بناء شرعية حقيقية على أنقاض البيوت، ولا يمكن إقناع العالم بعدالة أي قضية إذا كان المدنيون يواصلون دفع الثمن الأكبر لها. إن الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تبرر المأساة، بل إلى قرارات تقلل من حجمها، وإلى مراجعات شجاعة تعترف بأن استمرار تعريض السكان لمخاطر الحرب لا يخدم سوى إطالة أمد النزيف.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio