خاطرة

خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية

رانية مرجية 22:51 21/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

ليست أخطر هزائم الشعوب أن تُحتل أرضها، بل أن تُسرق ذاكرتها.

فالأرض قد تُستعاد يومًا، والحدود قد يُعاد رسمها، أما الذاكرة إذا هُزمت، فإن الأمة تصبح غريبة عن نفسها، ويغدو التاريخ رواية يكتبها المنتصر وحده.

لهذا لم تكن معركة الفلسطيني يومًا معركة بندقية فقط.

كانت، وما زالت، معركة رواية.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

من يروي؟

ومن يحفظ الحقيقة من التشويه؟

ومن يصون أسماء الذين غابوا خلف الأسوار قبل أن يتحولوا إلى أرقام في ملفات السجّان؟

في هذا المكان تحديدًا، يقف خالد عز الدين.

ليس بوصفه إعلاميًا، ولا بوصفه أسيرًا محررًا فحسب، بل بوصفه واحدًا من حرّاس الذاكرة الفلسطينية.

فالرجل الذي عرف الزنزانة من الداخل، أدرك مبكرًا أن السجّان لا يسعى إلى اعتقال الإنسان وحده، بل إلى اعتقال حكايته أيضًا. وأن أخطر أشكال الأسر ليس تقييد الجسد، وإنما محو المعنى، وإطفاء الذاكرة، وتحويل الضحية إلى رقم عابر في سجل طويل من النسيان.

لهذا لم يتعامل مع تجربته الشخصية باعتبارها بطولة تستحق الاحتفاء، بل باعتبارها مسؤولية تستوجب الاستمرار.

خرج من الأسر، لكنه لم يغادره.

ترك الجدران خلفه، لكنه حمل أصوات من بقوا داخلها.

ولعل هذه هي الفروق التي تصنع الرجال.

هناك من يخرج من المحنة باحثًا عن حياة هادئة، وهناك من يخرج منها وهو يشعر أن حياته الحقيقية بدأت للتو.

وخالد عز الدين اختار الطريق الأصعب.

اختار أن يجعل حريته امتدادًا لحرية الآخرين، وأن يحوّل الإعلام من مهنة إلى موقف، ومن وظيفة إلى رسالة، ومن كاميرا إلى ذاكرة تقاوم النسيان.

لقد أدرك الاحتلال، منذ بدايات مشروعه، أن السيطرة على الأرض لا تكتمل من دون السيطرة على الرواية. لذلك لم يكتفِ بمصادرة الأرض، ولا باعتقال الإنسان، بل سعى إلى إعادة كتابة الحكاية نفسها، بحيث يبدو الضحية متهمًا، ويصبح السجّان صاحب الصوت الأعلى.

ومن هنا، تصبح الكلمة فعل مقاومة.

ويصبح الأرشيف جبهة.

وتصبح الصورة وثيقة.

ويصبح الإعلام، حين يكون أمينًا للحقيقة، شريكًا في حماية التاريخ.

وهذه هي المهمة التي حملها خالد عز الدين.

لم يطارد الخبر من أجل السبق الصحفي، بل بحث عن الإنسان المختبئ خلف الخبر.

لم يحمل الكاميرا ليصنع الإثارة، بل ليمنع النسيان.

ولم يكتب لأن الكتابة مهنة، بل لأن الصمت، في بعض اللحظات، يتحول إلى شريك في الجريمة.

كان يعرف أن الاحتلال يراهن على تعب العالم، وعلى اعتياد الناس للمأساة، وعلى أن تتحول صور الأسرى إلى مشهد مألوف لا يوقظ ضميرًا.

لكنه كان يراهن على الإنسان.

لأن الإنسان، حين تُروى له الحكاية بصدق، يصعب عليه أن يدير وجهه عنها.

ولعل أجمل ما في خالد عز الدين أن ما يحمله من تجربة قاسية لم يتحول يومًا إلى شعور بالتفوق على الآخرين، ولا إلى وسام شخصي يعلقه على صدره.

ظل قريبًا من الناس، متواضعًا في حضوره، راقيًا في تعامله، كريمًا في دعمه لكل صاحب فكرة أو مبادرة، يرى في نجاح الآخرين إضافة للقضية التي نذر نفسه لها، لا منافسةً لها.

يفتح الأبواب أمام الشباب، ويمنح من وقته وخبرته ما يستطيع، مؤمنًا بأن الرسالة لا يحملها فرد واحد، بل تتسع لكل المخلصين لها.

وربما لهذا السبب ترك أثرًا لا يقتصر على ما كتب أو وثّق، بل يمتد إلى كل من عمل معه أو عرفه عن قرب؛ حيث يسبق الإنسان الإعلامي، وتسبق الأخلاق كل الألقاب.

وأجمل ما في تجربته أيضًا أنه لم يسمح للأسر أن يتحول إلى نهاية الحكاية.

وسع سيرته حتى أصبحت جزءًا من سيرة آلاف الأسرى.

كان يستطيع أن يكتفي برواية قصته، لكنها لم تكن تكفيه.

فاختار أن يروي قصص الآخرين.

وكأن الحرية التي نالها لم تكن ملكًا له وحده، بل أمانة يحملها نيابة عمن بقوا خلف القضبان.

وربما لهذا تبدو تجربة خالد عز الدين أكبر من سيرة فرد.

إنها سيرة فكرة.

وفكرة تقول إن الشعوب لا تبقى حية لأنها تمتلك القوة وحدها، بل لأنها تمتلك من يحرس ذاكرتها.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا.

وأن يقتلع شجرة.

وأن يبني سجنًا.

لكنه يعجز، مهما امتلك من أدوات، عن هزيمة شعب وجد بين أبنائه من يرفض أن يسمح للنسيان بأن ينتصر.

وهؤلاء هم الذين يكتبون التاريخ الحقيقي.

لا لأن أسماءهم تُنقش على جدران المؤسسات، بل لأنها تُحفر في وجدان الناس.

لهذا، حين يُذكر خالد عز الدين، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إعلاميًا أو أسيرًا محررًا فحسب، بل باعتباره شاهدًا اختار أن يحرس الذاكرة في زمنٍ أصبح فيه النسيان سياسة، وتزييف الوعي صناعة، والرواية ساحة لا تقل خطورة عن أي ميدان.

ويبقى الرجل أكبر من منصب، وأوسع من لقب، لأن الرسالة التي حملها أكبر من صاحبها.

ويبقى اسمه شاهدًا على حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن السجّان يستطيع أن يقيّد الجسد، لكنه يعجز عن تقييد الفكرة، وأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا أولئك الذين يرفضون أن تُسرق ذاكرتها، ويواصلون حراستها بالكلمة، والصدق، والوفاء.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio