مقالات

مباركة لإسبانيا… وانتصار لكرة القدم الحقيقية

محمّد دراوشة 10:12 20/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

لم يكن نهائي كأس العالم الأخير مجرد مباراة كرة قدم، بل كان حدثاً كاشفاً، أعاد ترتيب المشهد بين الرياضة كقيمة، وبين محاولات تسييسها أو تحويلها إلى سلعة تجارية. فوز إسبانيا على الأرجنتين لم يكن مجرد تتويج رياضي، بل بدا – في نظر الكثيرين – شكلاً من العدل التصحيحي الذي يعيد الاعتبار للعبة نفسها، ولجمهورها، ولجوهر المنافسة الشريفة.

قدّمت إسبانيا نموذجاً نادراً في الانضباط، وفي اللعب الجماعي، وفي احترام اللعبة. لم تعتمد على نجم واحد، ولم تراهن على لحظة عبقرية فردية، بل بنت طريقها إلى النهائي عبر منظومة متماسكة، تدريب واضح، وقدرة على السيطرة على إيقاع المباراة، وخنق خصومها تكتيكياً.

ثماني مباريات، هدف واحد فقط في شباكهم. دفاع صلب، وسط ذكي، وهجوم يعرف متى يضغط ومتى يهدأ. أمام فرنسا، ثم أمام الأرجنتين، بدا الفريق الإسباني وكأنه يضع خصومه في حالة "تخدير تكتيكي"، يمنعهم من التفكير، من البناء، ومن الوصول إلى مناطق الخطورة. هذا هو جوهر كرة القدم الحديثة: فريق واحد، عقل واحد، قلب واحد.

على الجانب الآخر، ظهر المنتخب الأرجنتيني بصورة باهتة، لا تليق بتاريخه ولا بجماهيره. لم يرتقِ لمستوى الحدث، ولم يقدّم ما يبرر وصوله إلى النهائي. الاتهامات التحكيمية التي أثيرت في مباراته أمام مصر، ثم أمام إنجلترا، أثارت شكوكاً واسعة بين الجماهير حول نزاهة بعض القرارات، وهي أمور يجب أن تُناقش بمهنية وشفافية من الجهات المختصة، بعيداً عن الانفعالات. حتى في النهائي، شعر كثيرون أن بعض القرارات التحكيمية كانت مثيرة للجدل، سواء في إلغاء هدف أو تفسير حالات تسلل. لكن الحقيقة الأهم أن الأرجنتين لم تُظهر ما يكفي من الجودة لتستحق اللقب داخل الملعب.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

ميسي… أسطورة في غير يومها

ليونيل ميسي، اللاعب الذي صنع مجداً كروياً لا يُنسى، بدا في هذه المباراة بعيداً عن مستواه. لعب واحدة من أسوأ مبارياته، وربما أسوأ مباريات المنتخب بأكمله. لم يكن ذلك عادلاً لصورة البطل الذي حمل كأس العالم سابقاً، ولا لتاريخه الذي يستحق أن يُختتم في لحظة قمة، لا في لحظة انكسار.  وكما يُقال في المثل الشعبي: "الانسحاب على ظهور خيلها" أجمل من البقاء حتى الانطفاء. وربما ينطبق هذا أيضاً على كريستيانو رونالدو، الذي فرض نفسه على منتخب البرتغال في مرحلة كان فيها الفريق بحاجة إلى تجديد الدماء.

التجارة والسياسة… حين تتجاوز حدودها

لا يمكن إنكار أن كرة القدم أصبحت صناعة ضخمة، وأن بعض القرارات قد تتأثر بشعبية لاعبين أو فرق تجذب المشاهدات والرعايات. لكن حين يشعر الجمهور بأن النتائج تُهندس خارج الملعب، تكون النتيجة عكسية تماماً: مباراة نهائية باهتة، مليارات المشاهدين يشعرون بالملل، وانخفاض في الثقة بالمنظومة الرياضية.

أما على المستوى السياسي، فقد أثار دعم بعض القادة العالميين للأرجنتين – مثل ترامب ونتنياهو – تساؤلات حول دوافعه، خاصة حين بدا وكأنه يأتي نكاية بمواقف إسبانيا الإنسانية المناهضة للحرب في الشرق الأوسط، ودعمها لحقوق الشعب الفلسطيني. مثل هذا التداخل بين السياسة والرياضة غالباً ما يجلب "فأل نحس"، لأن الرياضة لا تقبل أن تُستعمل كأداة في صراعات سياسية.

إسبانيا… شعباً وحكومة وفريقاً

من هنا، أبارك لإسبانيا: لشعبها الذي يعشق اللعبة، ولحكومتها التي حافظت على موقف أخلاقي في قضايا إنسانية، ولفريقها الذي لعب كرة قدم حقيقية، نظيفة، ممتعة، وراقية. لقد أثبتت إسبانيا أن الرياضة يمكن أن تبقى رياضة، وأن المتعة والثقافة والسحر والتشويق لا تحتاج إلى هندسة سياسية ولا إلى تدخلات تجارية. يكفي أن يكون هناك فريق يحترم نفسه ويحترم جمهوره ويحترم اللعبة.

أتمنى أن تبقى كرة القدم مساحة للفرح، للثقافة، للهوية، وللإنسانية.

أن تبقى لعبة تُلعب في الملعب، لا في الغرف المغلقة.

وأن يبقى الفوز لمن يستحقه، لا لمن يُراد له أن يفوز.

هذه هي كرة القدم التي نحبها، وهذه هي كرة القدم التي انتصرت في النهائي

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio