ورقة سياسات:
تصدرت المواقف الأمريكية بصدد حكومة إسرائيل وسياساتها واجهات الإعلام الإسرائيلي دون استثناء. وقد تجلى الأمر في عدة مناحٍ من التباعد الكبير في الملفات الأكثر حساسية إقليمياً؛ اللبناني والفلسطيني والسوري والإيراني وكذلك التركي فيما يتعلق بصفقة طائرات إف-35 الأمريكية التركية. كما انشغل الإعلام الإسرائيلي بالتحولات في العلاقة مع الأمريكيين اليهود. ثم جاءت تصريحات جي دي فانس يوم 16 الجاري وتصويت الكونغرس بصدد مشروع قانون وقف الدعم العسكري لإسرائيل، بالإضافة إلى زيارة السيناتور الديمقراطي رام إيمانويل، المزمع ترشحه للرئاسة عام 2028، إلى تل أبيب، والرسائل التي أتى بها إلى إسرائيل.
قراءة وتحليل:
شكل التصويت في الكونغرس حول وقف الدعم العسكري لإسرائيل مؤشراً على انقلاب عميق في الموقف من إسرائيل يشهده الحزب الديمقراطي حصرياً ومجمل السياسة الأمريكية، إذ صوّت لأول مرة غالبية أعضاء الكونغرس عن الحزب الديمقراطي لصالح وقف الدعم المالي العسكري؛ حيث صوّت مع مشروع القانون نحو 20% من مجمل أعضاء الكونغرس، أي 103 من الأعضاء الديمقراطيين، وامتنع عشرة نواب، وعارضه 93 عضواً في الكونغرس. واللافت الإضافي أن عشرة ممن صوّتوا لقطع المساعدات العسكرية كانوا قد تلقوا دعماً من "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية" المعروفة باسم "إيباك"، أو رشّحهم اللوبي الصهيوني، فيما جاء التصويت يوم 15 تموز/يوليو ليشير إلى الانقلاب على "إيباك" وتراجع تأثيره بين الديمقراطيين.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });عبرت عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية عن حالة قلق غير مألوفة، ولم تنشغل وسائل الإعلام هذه بأن مشروع القانون لم يمرّ، بل بما يشير إليه طرحه للتصويت، فاعتبره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تعميقاً للشرخ والتصدع في الإجماع الأمريكي تجاه إسرائيل، فيما رأى موقع" i24 " أن مجرد التصويت يكشف عن حالة مقلقة، فيما أشار موقع "إيميس" الحريدي، وكذلك موقع "واينت"، إلى أن التصويت، وحصرياً غالبية الحزب الديمقراطي، يشعل ضوءاً أحمر في إسرائيل. فيما توقفت صحيفة "يسرائيل هيوم" عند خطاب عضو الكونغرس الديمقراطي خواكين كاسترو، الذي اتهم إسرائيل باعتماد التطهير العرقي، وبأن نتنياهو يقود الدولة نحو "طريق قبيح"، وأنه لا يجوز مكافأة إسرائيل لكونها لا تستحق المزيد من المال الأمريكي.
مجرد التصويت هو مصدر القلق:
في الأساس، فإن مسألة وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ليست جديدة على الأجندة السياسية، وهي إلى حد ما تتوافق مع عقيدة "أمريكا أولاً"، وليست من باب العقاب أو الإجراءات ضد إسرائيل. إلا أن ما جعلها مقلقة هو التصويت بحد ذاته، وطرحها كمشروع قانون مرتبط بالأساس بالسياسة الأمريكية الداخلية والانتخابات النصفية، إذ طرحها عضو الكونغرس الجمهوري توماس ماسي، المعارض بشدة للمساعدات العسكرية لإسرائيل، في مسعى مزدوج: تعزيز الخطاب الأمريكي في هذا الصدد، ولإحراج الحزب الديمقراطي وإضعاف شعبيته أمريكياً باعتباره ضد إسرائيل. إلا أن نتيجة التصويت الحاسمة في الحزب الديمقراطي أثبتت أن الحزب قد تجاوز عتبة الإحراج ولا يكترث لها جمهور مؤيديه، كما أن لها دلالات على عمق الشرخ وتراجع مكانة إسرائيل، وعلى أن الرأي العام الأمريكي يمر في حالة من إعادة النظر في العلاقة معها، وحصرياً بسبب سياساتها في الملف الفلسطيني والحرب على غزة والتطهير العرقي الممنهج في الضفة الغربية.
وليس بالجديد ان هناك توجه استراتيجي من نتنياهو وحكومته، نحو تغيير جوهري في بنية العلاقة العسكرية الأمنية بين البلدين، ويقوم هذا التغيير على الانتقال من مبدأ الدعم العسكري الأمريكي إلى الشراكة العسكرية وفي مجال صناعة الأسلحة وتطويرها وتأسيس منصة أمريكية إسرائيلية في هذا الصدد. منذ إعلان إدارة بايدن عن حظر تزويد إسرائيل بذخيرة معينة تؤدي إلى دمار شامل واسع النطاق في غزة، تعزز هذا المسعى، ووجد تعبيراً عنه في خطاب نتنياهو عن المقاربة بين إسرائيل وإسبارطة، ثم بُحث ذلك مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال زيارة الأخير في شباط/فبراير 2026، حيث وقّعا 16 مذكرة تفاهم، بما فيها الشراكة في تطوير التصنيع الحربي، بينما تحدث نتنياهو خطابياً عن "حلف الأقوياء" والاعتماد المتبادل، وهو ما سبق أن حدث مع رئيسي كل من اليونان وقبرص، ثم تكرر ذلك الخطاب خلال زيارة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، حيث شدد نتنياهو على التحالف الأمني وعلى مجال الإنتاج الحربي والاستخباراتي.
أما الجديد في الموقف الأمريكي فهو أنه بدأ يندرج في إطار عقابي وقانوني تشريعي، ويعكس التحول العميق في الرأي العام الأمريكي. وفي نظرة مستقبلية، فإن جيل الشباب الحالي يشهد تحولاً أعمق وأوسع من المعدل العام في الحزبين، وهذا من شأنه أن ينعكس في القيادات المستقبلية وسياساتها.
الحزبان الديمقراطي والجمهوري يشهدان التحولات
ما يعصف بالحزب الديمقراطي يشهده أيضاً الحزب الجمهوري، لكن بوتيرة أبطأ، بينما تقود عجلة التغيير قوتان: الشباب، وتيار الانكفاء "ماغا" (لنجعل أمريكا تستعيد عظمتها)، الذي يتبنى عقيدة أمريكا أولاً، ومن أبرز رواده نائب الرئيس جي دي فانس، والإعلامي المؤثر تاكر كارلسون، حيث انتقل الأخير إلى موقع مناهضة إسرائيل والمطالبة بفرض العقوبات عليها ونزع شرعية أن تخوض الولايات المتحدة حروبها، فيما جاءت تصريحات جي دي فانس في بودكاست أمريكي يوم 16 يوليو صادمة لإسرائيل حكومة وعلى مستوى الرأي العام، إذ اعتبر أن إسرائيل قد خسرت الرأي العام الأمريكي، وأن ترامب يعترف بذلك، فيما اتهم الحكومة الإسرائيلية بأنها أدارت حملة ممولة بشكل مباشر ومن خلال أحد العاملين سابقاً في حملة ترامب الانتخابية، وذلك للتأثير على السياسات الأمريكية ولإفشال المفاوضات التي كان يجريها مع إيران وأي اتفاق في هذا الصدد. واللافت في هذا الصدد أن إدارة حملة من هذا النوع وبتمويل أجنبي فيها إشكالية قانونية. ثم أفاد بارتباطات قوية بين جيفري إبستين والموساد الإسرائيلي.
فعلياً، يدعو دي فانس وتياره إلى تحرير إدارة ترامب من عبء السياسات الإسرائيلية، وحصرياً بعد ما شاع أمريكياً عن أن ترامب تلقى معلومات استخباراتية مضللة من نتنياهو مصدرها الموساد، تفيد بأن النظام الإيراني سيسقط عند الضربة الأولى في الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليه نهاية شباط/فبراير، ولا يزال متعثراً في هذه الحرب، ويسعى إلى استبعاد التعطيل الإسرائيلي على المسار.
يخيم القلق الإسرائيلي في هذا السياق على زيارة نتنياهو المزمعة للمشاركة في جنازة السيناتور ليندزي غرام، أحد أكبر مؤيدي إسرائيل، ولقاء ترامب. فيما محلياً يصعد من اللهجة ضد الانسحاب من لبنان وسوريا وغزة. فيما لم تؤكد الخارجية الأمريكية حصول اللقاء المرتقب مع ترامب، الذي لم يوجه الدعوة لنتنياهو لزيارة واشنطن، بل يسعى الأخير إليها ظناً بأنها ستساعده في تحسين وضعيته الانتخابية والبقاء في الحكم. بينما تحذر التقديرات الإسرائيلية الأخرى من احتمال أن ترتد الزيارة على نتنياهو وتنعكس على تضاؤل حظوظه الانتخابية. وحيث يتزايد التقدير بأن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير نتنياهو لصالح رئيس حكومة يقبل بالحلول السياسية ولا ينحصر في الترتيبات الأمنية المؤقتة كما يريد نتنياهو، وبما في ذلك في قضية فلسطين.
تراجع الشراكة ومفهوم الحفاظ الأمريكي على التفوق النوعي الإسرائيلي:
التصريحات التي أدلى بها رام إيمانويل، المعني بالترشح للرئاسة الأمريكية، وذلك خلال زيارته إلى تل أبيب الأسبوع الفائت، لا تزال تشغل الإعلام ومراكز الأبحاث والحلبة السياسية في إسرائيل، وحصرياً اتهامه لنتنياهو بأنه "ساعد حماس على تحقيق غاياتها بينما أضعف إسرائيل"، وبأنه وراء عزلة إسرائيل التي فقدت أوروبا وتفقد الولايات المتحدة، وداعياً إلى وقف المساعدات العسكرية غير المشروطة، وداعياً إلى فرض حل إقليمي دولي بما في ذلك قضية فلسطين.
في المقابل، فإن عدم إذعان إدارة ترامب للضغوطات الإسرائيلية للحيلولة دون تزويد تركيا بطائرات إف-35 ومحركات من الجيل الخامس، يعكس بدوره التحول بأن إسرائيل، حتى وإن بقيت الحليف المفضل لدى الولايات المتحدة، لكنها ليست الحليف الوحيد، فيما تسعى السعودية وفقاً للتقديرات الإسرائيلية إلى تقويض الاتفاقات الإبراهيمية والدفع لتحريك مبادرة السلام العربية.
في المقابل، أحدثت تصريحات ترامب بصدد انسحاب إسرائيلي من كل من لبنان وسوريا قلقاً لدى الحكومة الإسرائيلية، إذ قد يسعى نتنياهو، لمصالح انتخابية، إلى أن يعاند ترامب ولا ينصاع له بشكل تلقائي، لكن يبدو أنه لا يملك القدرة على تعطيل المسار الأمريكي الذي يحظى بدعم دول عربية وإقليمية ذات أثر كبير على واشنطن، ولهذه الأخيرة مصالح كبيرة فيها.
في الخلاصة، بالإمكان الإشارة الى ثلاث نقاط مركزية وهي:
ليس ملف المساعدات العسكرية بحد ذاته أكثر ما يقلق إسرائيل، بل هناك مسعى إسرائيلي إلى الاستقلالية التصنيعية للعتاد الحربي، فيما أن طرح وقف المساعدات كمشروع قانون، وحصوله على أغلبية نواب أحد الحزبين الحاكمين (الديمقراطي)، فيه مؤشرات على عمق التحوّلات وعلى عزلة إسرائيل وخسارتها المتوقعة لمقومات العلاقة المتميزة مع الولايات المتحدة. كما أن فيه رسالة للعالم بإمكانية محاسبة إسرائيل قانونياً وسياسياً وفرض تغيير السياسات عليها، وحصرياً في الملف الأهم، وهو قضية فلسطين. ومن شأن التصويت في الكونغرس أن يدفع الدول الأوروبية، ومنظمة الدول الغنية (OECD)، والمحاكم الدولية، إلى ترسيخ نهج المحاسبة.
المتغيرات في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل تبدو عميقة وشاملة، وتشهد تراجعاً للوضعية الخاصة لإسرائيل لدى أوساط واسعة، ونزوعاً نحو اعتبارها دولة عادية كسائر حلفاء الولايات المتحدة الآخرين وفقاً لتصريحات نائب الرئيس. كما تتسع القناعة برفض أي مساعٍ إسرائيلية للتأثير المباشر على السياسة الأمريكية، بما في ذلك الانقلاب الأمريكي على إيباك ومجموعات الضغط الصهيونية. كما تتضمن تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس اتهاماً للمؤسسة الإسرائيلية بأنها تسعى إلى التدخل بشكل مباشر، ومن خلال حملات مموّلة ومنهجية، باتجاه تحديد هوية من يحكم الولايات المتحدة.
كما تتعزز القناعة في الولايات المتحدة، ومن قبل الحزبين، بأن نتنياهو يقود إسرائيل فعلياً إلى الهاوية وإلى "التباعد في القيم"، بينما يترسخ خطاب المحاسبة لإسرائيل بناءً على سياساتها، وحصرياً تجاه الشعب الفلسطيني، واتهامها بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي. وعليه، فإن الإجماع الأمريكي على ضرورة الانتقال إلى الدعم المشروط، وإلى وقف المساعدات العسكرية على حساب الأمريكيين، بات أكثر وضوحاً، ولا يبدو بالإمكان سياسياً التراجع عنه.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio