16.7.2026
بينَ الدِّينِ والتَّطرُّف: عندما يُختَطَفُ النَّصُّ وتُغتالُ القِيَمُ.
الباحث: الفقير لله تعالى، د. رافع خيري حلبي - دالية الكرمل إسرائيل
بحث علمي أكاديمي مقدم لأهلنا الموحدين بني معروف الدروز في السويداء، لعل وعسا يصلح الله تعالى، ما قد أفسده الفاسدين الحاقدين الحاسدين، الذين يجب التخلص منهم ومن فكرهم المنافي لشريعة الله تعالى وأوامره، ويجب أن يدفعوا الثمن باهضًا ويقاضوا ويحاكموا على فعلتهم المشينة النكراء، التي نفذوها كالوحوش البرية، هؤلاء الإرهابيين النازيين المجرمين، مرتكبي المجازر بأساليبهم الغدر والقتل والنّهب والسّلب والسّبي والتّعدي على حرمة البيوت كلها تتنافى مع أوامر كتاب الله تعالى العزيز، القرآن الكريم. والبقية تأتي.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });الفصلُ الأوَّلُ.
الدِّينُ رسالةُ حياةٍ: القِيَمُ المُؤسِّسةُ لبناءِ الإنسانِ ونَبْذِ التَّطرُّفِ.
تمهيدُ الفصلِ الأوَّلِ.
لم يكنِ الدِّينُ، في جوهرِ رسالاتِهِ السَّماويَّةِ، مشروعًا لإنتاجِ العنفِ، ولا وسيلةً لإشعالِ الحروبِ، ولا أداةً لإخضاعِ الإنسانِ أو فرضِ السُّلطةِ عليهِ بالقوَّةِ، وإنَّما جاءَ بوصفِهِ رسالةَ هدايةٍ ورحمةٍ وإصلاحٍ، ومشروعًا أخلاقيًّا وحضاريًّا يستهدفُ إعادةَ بناءِ الإنسانِ من داخلِهِ، قبلَ الانتقالِ إلى بناءِ المجتمعِ والدَّولةِ والعمرانِ الإنسانيِّ، فالدِّينُ، في معناهُ العميقِ، لا يقتصرُ على مجموعةٍ منَ الشَّعائرِ أو الأحكامِ المُنفصلةِ عن حياةِ الإنسانِ، بل يمثِّلُ منظومةً متكاملةً منَ القِيَمِ والمعاني الَّتي تهدفُ إلى تهذيبِ السُّلوكِ، وترسيخِ المسؤوليةِ الأخلاقيَّةِ، وإقامةِ علاقةٍ متوازنةٍ بينَ الإنسانِ وخالقِهِ، وبينَ الإنسانِ وأخيهِ الإنسانِ، وبينَ الإنسانِ والعالمِ الَّذي يعيشُ فيهِ، ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ الرِّسالاتِ السَّماويَّةَ لم تأتِ لتصنعَ إنسانًا خائفًا أو مقهورًا، بل جاءتْ لتحريرِهِ منَ الجهلِ والخوفِ والظُّلمِ والاستعبادِ، ولتنقلَهُ منَ الفوضى الأخلاقيَّةِ إلى نظامٍ قيميٍّ يقومُ على العدلِ والرَّحمةِ والكرامةِ والتَّعاونِ واحترامِ الحياةِ الإنسانيَّةِ.
غايةُ الدِّينِ ليستْ إلغاءَ الإنسانِ، وإنَّما الارتقاءُ بهِ، وليستْ تحويلَهُ إلى أداةٍ في صراعاتِ الجماعاتِ، وإنَّما مساعدتُهُ على اكتشافِ مسؤوليَّتِهِ في إعمارِ الأرضِ وصناعةِ الخيرِ وتحقيقِ التَّوازنِ بينَ حاجاتِ الرُّوحِ ومتطلَّباتِ الحياةِ، وقد انطلقتْ جميعُ الرِّسالاتِ السَّماويَّةِ منَ مبدأٍ إنسانيٍّ جامعٍ، يتمثَّلُ في تكريمِ الإنسانِ والنَّظرِ إليهِ بوصفِهِ كائنًا ذا قيمةٍ أصيلةٍ، لا ترتبطُ بلونٍ أو عِرقٍ أو قومِيَّةٍ أو انتماءٍ اجتماعيٍّ أو دينيٍّ، بل تستمدُّ مكانتَها من حقيقةِ إنسانيَّتِهِ ذاتِها، ومن هنا، فإنَّ الكرامةَ الإنسانيَّةَ لا تُعدُّ قيمةً هامشيَّةً في الفكرِ الدِّينيِّ، بل تمثِّلُ أساسًا منَ الأسسِ الَّتي تقومُ عليها العلاقةُ بينَ بَني البشرِ جميعًا، لأنَّ الإنسانَ حينَ يفقدُ احترامَهُ للإنسانِ الآخرِ، يفقدُ جزءًا أساسيًّا منَ المعنى الأخلاقيِّ للرِّسالةِ الَّتي يؤمنُ بها، ولهذا، فإنَّ أيَّ خطابٍ يقومُ على احتقارِ الآخرِ أو إلغاءِ وجودِهِ أو تجريدِهِ منَ حقوقِهِ بسببِ اختلافِهِ في العقيدةِ أو المذهبِ أو القوميَّةِ أو الرَّأيِ، إنَّما يبتعدُ عنَ المقاصدِ الكبرى الَّتي جاءتْ من أجلِها الرِّسالاتُ، ويحوِّلُ الدِّينَ منَ مجالٍ لبناءِ الإنسانِ إلى أداةٍ للصِّراعِ بينَ البشرِ.
إنَّ النَّظرَ إلى الدِّينِ بوصفِهِ رسالةً لبناءِ الإنسانِ يقودُ بالضَّرورةِ إلى إدراكِ دورهِ في بناءِ المجتمعِ والدَّولةِ والحضارةِ، فالمجتمعاتُ لا تقومُ بالقوانينِ والمؤسَّساتِ وحدَها، وإنَّما تحتاجُ قبلَ ذلكَ إلى منظومةٍ قِيَميَّةٍ تمنحُ تلكَ القوانينَ معناها الأخلاقيَّ، وتمنحُ المؤسَّساتِ غايتَها الإنسانيَّة، فالدَّولةُ، مهما بلغتْ منَ القوَّةِ المادِّيَّةِ والتَّقدُّمِ التِّقنيِّ، لا تستطيعُ أن تحقِّقَ الاستقرارَ الحقيقيَّ إذا انفصلتْ عنَ القِيَمِ الَّتي تحفظُ كرامةَ الإنسانِ وتصونُ حقوقَهُ وتمنعُ تحوُّلَ السُّلطةِ إلى وسيلةٍ للهيمنةِ أو القهرِ، وإنَّ التَّاريخَ الإنسانيَّ يبيِّنُ أنَّ أعظمَ التَّجاربِ الحضاريَّةِ لم تُبنَ على القوَّةِ وحدَها، بل قامتْ على تفاعلٍ بينَ المعرفةِ والأخلاقِ والمسؤوليَّةِ الاجتماعيَّةِ، ومن هنا، فإنَّ الدِّينَ في صورَتِهِ الأصيلةِ لا يقفُ خارجَ حركةِ التَّاريخِ، ولا ينفصلُ عنَ قضايا الإنسانِ والمجتمعِ، بل يقدِّمُ منظومةً منَ المبادئِ الَّتي تهدفُ إلى تحقيقِ التَّوازنِ بينَ الحريَّةِ والمسؤوليَّةِ، وبينَ حقوقِ الفردِ ومصالحِ الجماعةِ، وبينَ السُّلطةِ والعدالةِ، فحينَ تُبنى السُّلطةُ على مبدأِ العدلِ، وتُمارَسُ المسؤوليَّةُ على أساسِ الأمانةِ، وتُحترَمُ كرامةُ الإنسانِ، يصبحُ المجتمعُ أكثرَ قدرةً على مواجهةِ عواملِ التَّفكُّكِ والانقسامِ، أمَّا حينَ تُفصلُ القِيَمُ عنِ السُّلطةِ، ويصبحُ الدِّينُ مجرَّدَ شعارٍ يُستخدمُ لتحقيقِ مصالحَ بشريَّةٍ ضيِّقةٍ، فإنَّ النَّتيجةَ تكونُ تشويهَ المعنى الأخلاقيِّ للدِّينِ وتحويلَهُ إلى أداةٍ للصِّراعِ، ولهذا، فإنَّ دراسةَ ظاهرةِ التَّطرُّفِ الدِّينيِّ لا ينبغي أن تنطلقَ منَ الدِّينِ بوصفِهِ سببًا للعنفِ، بل منَ السُّؤالِ الأعمقِ المتعلِّقِ بكيفيَّةِ انتقالِ بعضِ القراءاتِ البشريَّةِ منَ الفهمِ المفتوحِ إلى الفهمِ المغلقِ، ومنَ الاجتهادِ إلى ادِّعاءِ امتلاكِ الحقيقةِ المطلقةِ، ومنَ الاختلافِ الطّبيعيِّ بينَ البشرِ إلى الإقصاءِ والعداءِ.
التَّطرُّفُ لا يولدُ منَ الإيمانِ في ذاتهِ، وإنَّما يظهرُ عندما يُختزلُ الدِّينُ في قراءةٍ أحاديَّةٍ مغلقةٍ، تُهمِلُ مقاصدَ الرِّسالةِ الكبرى، وتستبدلُ قيمَ الرَّحمةِ والعدلِ والحوارِ بمنطقِ الصِّراعِ والإلغاء، ومن هنا، يصبحُ التَّمييزُ بينَ النَّصِّ الدِّينيِّ والفهمِ البشريِّ للنَّصِّ ضرورةً منهجيَّةً لفهمِ العلاقةِ بينَ الدِّينِ والتَّطرُّفِ، فالنَّصُّ، في الوعيِ الدِّينيِّ، يمثِّلُ المرجعيَّةَ المقدَّسةَ، أمَّا تفسيرُهُ وتأويلُهُ وفهمُ دلالاتِهِ فهي عمليَّةٌ إنسانيَّةٌ تتأثَّرُ بالظُّروفِ التّاريخيَّةِ والثَّقافيَّةِ والمعرفيَّةِ للإنسانِ الَّذي يقومُ بها، وهنا تظهرُ أهمِّيَّةُ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي لا يوجَّهُ إلى النَّصِّ المقدَّسِ، وإنَّما إلى الطَّريقةِ الَّتي يتعاملُ بها البشرُ معَ هذا النَّصِّ، لأنَّ المشكلةَ لا تكمنُ في وجودِ القِيَمِ الدِّينيَّةِ، بل في إمكانيَّةِ إخضاعِها لتأويلاتٍ بشريَّةٍ قد تتأثَّرُ بالصِّراعاتِ السِّياسيَّةِ أو الاجتماعيَّةِ أو الأيديولوجيَّةِ، وقد أكَّدَ القرآنُ الكريمُ مبدأَ تكريمِ الإنسانِ وجعلَهُ محورًا في الخطابِ الإلهيِّ، فقالَ سُبحانه تَعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراءِ: 70].
إنَّ دلالةَ هذهِ الآيةِ تتجاوزُ حدودَ التَّكريمِ الفرديِّ لتؤسِّسَ لمبدئً حضاريٍّ واسعٍ، وهو أنَّ الإنسانَ يمتلكُ قيمةً أصيلةً تستوجبُ الاحترامَ والحمايةَ، وأنَّ بناءَ المجتمعاتِ العادلةِ يبدأُ منَ الاعترافِ بهذهِ القيمةِ، ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ أيَّ مشروعٍ دينيٍّ أو فكريٍّ أو سياسيٍّ يُهمِلُ الإنسانَ وكرامتَهُ يفقدُ جوهرَهُ الأخلاقيَّ، لأنَّ الغايةَ منَ القِيَمِ ليستْ إنتاجَ جماعاتٍ متصارعةٍ، بل بناءُ إنسانٍ قادرٍ على العيشِ المشتركِ واحترامِ الآخرِ وتحقيقِ الخيرِ العامِّ.
إنَّ العلاقةَ بينَ الدِّينِ والعقلِ ليستْ علاقةَ تعارضٍ أو صراعٍ، بل هي علاقةُ تكاملٍ وتفاعلٍ، فالعقلُ هو الأداةُ الَّتي يمارسُ بها الإنسانُ فعلَ الفهمِ والإدراكِ والتَّمييزِ، والدِّينُ في جوهرِهِ يخاطبُ الإنسانَ بوصفِهِ كائنًا قادرًا على التَّفكُّرِ والتَّأمُّلِ وتحملِ مسؤوليَّةِ اختياراتِهِ، ولهذا، فإنَّ تعطيلَ العقلِ لا يمكنُ أن يكونَ طريقًا إلى الفهمِ العميقِ للرِّسالةِ الدِّينيَّةِ، لأنَّ العقلَ يمثِّلُ أحدَ أهمِّ المقوِّماتِ الَّتي من خلالها يستطيعُ الإنسانُ إدراكَ المعاني الكبرى للقِيَمِ الدِّينيَّةِ والأخلاقيَّةِ، والتّمييزَ بينَ جوهرِ الرِّسالةِ وبينَ التَّوظيفاتِ البشريَّةِ الَّتي قد تبتعدُ عن مقاصدِها، فالدِّينُ الَّذي يجعلُ منَ الحكمةِ أساسًا للتَّوجيهِ، ومنَ المعرفةِ سبيلًا إلى الرُّقيِّ، لا يمكنُ أن يكونَ في مواجهةٍ معَ البحثِ والتَّفكيرِ والنَّقدِ البنَّاءِ، بل إنَّ ازدهارَ الحضاراتِ الإنسانيَّةِ كانَ دائمًا مرتبطًا بقدرةِ الإنسانِ على الجمعِ بينَ القِيَمِ والمعرفةِ، وبينَ الأخلاقِ والعقلِ، ومن هنا، فإنَّ الحوارَ يُمثِّلُ قيمةً أساسيَّةً في البناءِ الدِّينيِّ والإنسانيِّ، لأنَّ الاختلافَ بينَ البشرِ حقيقةٌ ملازمةٌ للطَّبيعةِ الإنسانيَّةِ، وليسَ دليلًا على ضرورةِ الصِّراعِ أو العداءِ، فالمجتمعاتُ لا تتقدَّمُ بإلغاءِ التَّنوُّعِ، وإنَّما بإدارتهِ ضمنَ إطارٍ منَ الاحترامِ المتبادلِ والاعترافِ بكرامةِ الإنسانِ.
لقد جعلَ القرآنُ الكريمُ التَّعارفَ بينَ البشرِ أساسًا للعلاقةِ الإنسانيَّةِ، فقالَ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات: 13].
تكشفُ هذهِ الآيةُ عنَ رؤيةٍ إنسانيَّةٍ واسعةٍ تجعلُ التَّنوُّعَ بينَ البشرِ مجالًا للتَّعارفِ لا سببًا للصِّراعِ، وتؤكِّدُ أنَّ قيمةَ الإنسانِ لا تُبنى على الانتماءِ العِرقيِّ أو الاجتماعيِّ، وإنَّما على ما يحملهُ منَ القِيَمِ والمسؤوليَّةِ الأخلاقيَّةِ، ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ بناءَ الإنسانِ هوَ المدخلُ الحقيقيُّ لبناءِ الدَّولةِ والمجتمعِ، لأنَّ المؤسَّساتِ مهما بلغتْ منَ التَّطوُّرِ لا تستطيعُ أن تؤدِّيَ دورَها إذا غابتِ القِيَمُ الَّتي تمنحُها معناها، وإذا تحوَّلتِ السُّلطةُ إلى مجرَّدِ أداةٍ للقوَّةِ بدلَ أن تكونَ وسيلةً لخدمةِ الإنسانِ وتحقيقِ العدالةِ، يصبحُ بابُ الصِّراعِ مُمكنًا، فالدَّولةُ العادلةُ لا تُقاسُ فقطَ بقوَّةِ أجهزتِها، وإنَّما بقدرتِها على صيانةِ كرامةِ مواطنيها، وحمايةِ حقوقِهم، وإقامةِ التَّوازنِ بينَ الحريَّةِ والمسؤوليَّةِ، وبينَ القوَّةِ والقانونِ، وبينَ السُّلطةِ والأخلاقِ، وبين المُساواةِ والاعترافِ، ومن هنا نفهمُ أنَّ القِيَمَ الدِّينيَّةَ، حينَ تُقرأُ في إطارِها الإنسانيِّ والحضاريِّ، لا تُنتجُ الانغلاقَ أو العنفَ، بل تُسهمُ في بناءِ مجتمعٍ أكثرَ توازنًا وقدرةً على التَّعايشِ والتَّعاونِ، أمَّا الخطرُ فيظهرُ عندما تُفصلُ هذهِ القِيَمُ عن مقاصدِها، ويُختزلُ الدِّينُ في شعاراتٍ جامدةٍ أو قراءاتٍ مغلقةٍ تُقصي الإنسانَ بدلَ أن تبنيهِ، وعليهِ، فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يوجِّهُ هذا الفصلَ ليسَ: هلَ الدِّينُ ينتجُ التَّطرُّفَ؟ وإنَّما: كيفَ يمكنُ لبعضِ القراءاتِ البشريَّةِ للنَّصِّ الدِّينيِّ أن تنحرفَ عن مقاصدِ الرِّسالةِ، فتنتجَ فهمًا متشدِّدًا يُناقضُ قيمَ الرَّحمةِ والعدلِ والكرامةِ؟
ومن هذا السُّؤالِ المركزيِّ ينطلقُ الفصلُ الأوَّلُ في دراسةِ الدِّينِ بوصفِهِ رسالةَ حياةٍ وقِيَمٍ، قبلَ الانتقالِ إلى تحليلِ النَّصِّ والتَّأويلِ والتَّوظيفِ الَّذي يشكِّلُ محورَ الدِّراسةِ في المباحثِ اللاحقةِ.
انطلاقًا من هذهِ الرُّؤيةِ، فإنَّ دراسةَ العلاقةِ بينَ الدِّينِ والتَّطرُّفِ تقتضي أوَّلًا العودةَ إلى الأساسِ القِيَميِّ الَّذي قامتْ عليهِ الرِّسالاتُ الدِّينيَّةُ، والكشفَ عن دورِها في بناءِ الإنسانِ وترسيخِ المعاني الأخلاقيَّةِ الَّتي تحفظُ كرامتَهُ وتصونُ وجودَهُ، فقبلَ البحثِ في مظاهرِ التَّطرُّفِ وأشكالِهِ، لا بدَّ منَ التَّوقُّفِ عندَ الدِّينِ بوصفِهِ منظومةً منَ القِيَمِ والمبادئِ الَّتي تهدفُ إلى تحقيقِ الخيرِ الإنسانيِّ وإقامةِ التَّوازنِ بينَ الفردِ والمجتمعِ، وعلى هذا الأساسِ، يتناولُ هذا الفصلُ الدِّينَ منَ الزَّاويةِ الفلسفيَّةِ والإنسانيَّةِ، بوصفِهِ رسالةَ حياةٍ تهدفُ إلى الارتقاءِ بالإنسانِ وبناءِ وعيِهِ الأخلاقيِّ والحضاريِّ، ثمَّ ينتقلُ إلى بحثِ العلاقةِ بينَ النَّصِّ الدِّينيِّ وفهمِ الإنسانِ لهُ، من خلالِ التَّمييزِ بينَ قداسةِ النَّصِّ وثباتِهِ، وبينَ التَّفسيرِ البشريِّ الَّذي يظلُّ مرتبطًا بحدودِ المعرفةِ والسِّياقِ والثَّقافةِ.
يهدفُ الفصلُ إلى بيانِ أنَّ التَّطرُّفَ لا ينشأُ منَ القِيَمِ الدِّينيَّةِ الأصيلةِ، وإنَّما منَ القراءاتِ المنغلقةِ الَّتي تعزلُ النَّصَّ عن مقاصدِهِ الكبرى، وتُحوِّلُ الدِّينَ منَ مجالٍ للهدايةِ والإصلاحِ إلى أداةٍ للصِّراعِ والإقصاء.
بناءً على ذلكَ، ينتظمُ هذا الفصلُ في ثلاثةِ مباحثَ رئيسةٍ، يتناولُ المبحثُ الأوَّلُ الدِّينَ ومنظومةَ القِيَمِ الإنسانيَّةِ المؤسِّسةِ لبناءِ الإنسانِ والمجتمعِ، بينما يبحثُ المبحثُ الثَّاني في العلاقةِ بينَ النَّصِّ الدِّينيِّ والتَّأويلِ البشريِّ، وحدودِ الفهمِ الإنسانيِّ للنُّصوصِ المقدَّسةِ، في حينَ يركِّزُ المبحثُ الثَّالثُ على العلاقةِ بينَ الدِّينِ والتَّطرُّفِ، وبيانِ كيفيَّةِ تحوُّلِ الفهمِ المنحرفِ إلى أداةٍ لإنتاجِ العنفِ وإضعافِ القِيَمِ الَّتي جاءتْ الرِّسالاتُ من أجلِ ترسيخِها، وبذلكَ يشكِّلُ هذا الفصلُ مدخلًا نظريًّا وفلسفيًّا لفهمِ الإشكاليَّةِ المركزيَّةِ للدِّراسةِ، وهيَ أنَّ الأزمةَ لا تكمنُ في الدِّينِ بوصفِهِ رسالةً إلهيَّةً وقِيَمًا إنسانيَّةً، وإنَّما في الطُّرُقِ البشريَّةِ الَّتي قد تُعيدُ إنتاجَ النَّصِّ وفقَ أهواءِ الإنسانِ وصراعاتِهِ ومصالحِهِ، فتبتعدُ عن مقاصدِ الرَّحمةِ والعدلِ والكرامةِ الَّتي تمثِّلُ جوهرَ الرِّسالاتِ.
المبحثُ الأوَّلُ مِن الفصلِ الأوَّلِ.
الدِّينُ ومنظومةُ القِيَمِ الإنسانيَّةِ المؤسِّسةِ لبناءِ الإنسانِ.
لا يمكنُ مقاربةُ ظاهرةِ التَّطرُّفِ الدِّينيِّ مقاربةً علميَّةً رصينةً دونَ الانطلاقِ منَ الأساسِ الَّذي قامتْ عليهِ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ، والمتمثِّلِ في بناءِ منظومةٍ متكاملةٍ منَ القِيَمِ الإنسانيَّةِ والأخلاقيَّةِ الَّتي تستهدفُ إصلاحَ الإنسانِ، وتقويمَ سلوكِهِ، وإرساءَ أُسُسِ المجتمعِ العادلِ القادرِ على تحقيقِ الاستقرارِ والسَّلامِ والتَّقدُّمِ الحضاريِّ. فالدِّينُ، في جوهرِهِ، ليسَ مجموعةً منَ الأحكامِ التَّعبُّديَّةِ المجرَّدةِ، ولا منظومةً منَ الممنوعاتِ والعقوباتِ، وإنَّما هو مشروعٌ حضاريٌّ متكاملٌ يهدفُ إلى بناءِ الإنسانِ الحرِّ المسؤولِ، الَّذي يجمعُ بينَ الإيمانِ والعقلِ، وبينَ الأخلاقِ والعملِ، وبينَ الحقوقِ والواجباتِ، ولذلكَ، فإنَّ الرِّسالاتِ الإلهيَّةَ لم تجعلِ الإنسانَ وسيلةً لتحقيقِ غاياتٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ، وإنَّما جعلتْهُ محورَ عمليَّةِ البناءِ والإصلاحِ، لأنَّ صلاحَ المجتمعِ يبدأُ بصلاحِ الإنسانِ، وصلاحَ الدَّولةِ يبدأُ بصلاحِ مواطنيها، أمَّا الحضارةُ فلا تُبنى بالحجارةِ والمؤسَّساتِ وحدَها، وإنَّما تُبنى قبلَ ذلكَ بالإنسانِ الَّذي يمتلكُ الضَّميرَ الحيَّ، والعقلَ النَّاقدَ، والإرادةَ الأخلاقيَّةَ القادرةَ على تحمُّلِ مسؤوليَّةِ الاستخلافِ في الأرضِ، ومن هنا، فإنَّ القِيَمَ الدِّينيَّةَ لا تُعَدُّ قِيَمًا فرديَّةً معزولةً عنِ الواقعِ، بل تمثِّلُ الأساسَ الَّذي تتشكَّلُ عليهِ العلاقاتُ الاجتماعيَّةُ، والأنظمةُ القانونيَّةُ، والممارساتُ السِّياسيَّةُ، والضَّوابطُ الاقتصاديَّةُ، والثَّقافةُ العامَّةُ للمجتمعِ، فحيثُ تسودُ قيمُ العدلِ، والأمانةِ، والرَّحمةِ، والتَّسامحِ، والاحترامِ المتبادلِ، تنشأُ بيئةٌ إنسانيَّةٌ قادرةٌ على إنتاجِ الاستقرارِ والإبداعِ والتَّقدُّمِ، بينما يؤدِّي انهيارُ هذهِ القِيَمِ إلى تفكُّكِ المجتمعِ، واتِّساعِ دوائرِ العنفِ، وتنامي ثقافةِ الإقصاءِ والكراهيةِ والحقدِ والانْتِقامِ.
منَ النَّاحيةِ الفلسفيَّةِ، فإنَّ قيمةَ الدِّينِ لا تُقاسُ بما يفرضُهُ منَ التزاماتٍ شكليَّةٍ فحسبُ، بل بما يُحدِثُهُ من تحوُّلٍ في وعيِ الإنسانِ وسلوكِهِ ونظرتِهِ إلى نفسِهِ وإلى الآخرينَ، فكلُّ رسالةٍ دينيَّةٍ تفقدُ قدرتَها على تهذيبِ الإنسانِ وإحياءِ ضميرِهِ الأخلاقيِّ تتحوَّلُ إلى منظومةٍ جامدةٍ، مهما كثرتْ شعاراتُها أو اتَّسعتْ مظاهرُها الخارجيَّةُ، لأنَّ حقيقةَ الدِّينِ لا تظهرُ في كثرةِ الطُّقوسِ، وإنَّما في الأثرِ الَّذي تتركُهُ القِيَمُ في بناءِ الإنسانِ والمجتمعِ،
ولذلكَ، فإنَّ القرآنَ الكريمَ لم يجعلِ التَّديُّنَ الحقيقيَّ مرتبطًا بالمظاهرِ وحدَها، بل ربطَهُ بإقامةِ العدلِ، وصيانةِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، والإحسانِ إلى الآخرينَ، والوفاءِ بالعهدِ، وإغاثةِ الملهوفِ، واحترامِ حقِّ الحياةِ، وهيَ مبادئُ تُشكِّلُ في مجموعِها الإطارَ الأخلاقيَّ الَّذي يُميِّزُ الرِّسالةَ الإلهيَّةَ عنِ الأيديولوجيَّاتِ الَّتي تُقدِّمُ الغايةَ على الإنسانِ، أو تُبرِّرُ الظُّلمَ باسمِ المبادئِ، ومن هنا، فإنَّ الإنسانَ في الرُّؤيةِ الدِّينيَّةِ ليسَ تابعًا فاقدَ الإرادةِ، وإنَّما هو كائنٌ عاقلٌ، حرٌّ، ومسؤولٌ، مُطالَبٌ بأن يُحسِنَ استعمالَ ما أُوتِيَ من عقلٍ وضميرٍ وإرادةٍ، وأن يجعلَ من إيمانِهِ مصدرًا لإصلاحِ الواقعِ، لا ذريعةً لإفسادِهِ، ومن اختلافِهِ معَ الآخرينَ فرصةً للحوارِ والتَّعارفِ، لا سببًا للعداءِ والإلغاءِ.
انطلاقًا من ذلكَ، فإنَّ دراسةَ منظومةِ القِيَمِ الدِّينيَّةِ لا تُعَدُّ مدخلًا لفهمِ الدِّينِ فحسبُ، بل تُعَدُّ أيضًا شرطًا أساسيًّا لفهمِ أسبابِ الانحرافِ الَّذي يُفضي إلى التَّطرُّفِ؛ لأنَّ الانحرافَ لا يبدأُ عادةً منَ النَّصِّ، وإنَّما يبدأُ عندما تُفصلُ القِيَمُ عنِ الفهمِ، ويُستبدلُ جوهرُ الرِّسالةِ بمنطقِ التَّعصُّبِ والاحتكارِ والإقصاءِ.
المطلبُ الأوَّلُ.
الدِّينُ بوصفِهِ منظومةً أخلاقيَّةً لبناءِ الإنسانِ وإصلاحِ المُجْتمعِ.
لا يمكنُ فهمُ الدِّينِ فهمًا علميًّا وفلسفيًّا بعيدًا عن التَّحيُّزاتِ والأحكامِ المسبقةِ إلَّا إذا نُظِرَ إليهِ بوصفِهِ منظومةً أخلاقيَّةً وإنسانيَّةً متكاملةً، تستهدفُ بناءَ الإنسانِ قبلَ بناءِ المؤسَّساتِ، وإصلاحَ الضَّميرِ قبلَ إصلاحِ النُّظُمِ، وتقويمَ السُّلوكِ قبلَ سنِّ القوانينِ، فالرِّسالاتُ السَّماويَّةُ لم تنزلْ لإقامةِ مجتمعٍ تسودُهُ القوَّةُ، وإنَّما جاءتْ لإقامةِ مجتمعٍ يسودُهُ العدلُ، وتحكمُهُ الرَّحمةُ، وتُصانُ فيهِ كرامةُ الإنسانِ، ويُمارِسُ أفرادُهُ مسؤوليَّتَهم الأخلاقيَّةَ في إطارٍ منَ الحريَّةِ الواعيةِ والالتزامِ بالخيرِ العامِّ، ومن هذا المنطلقِ، فإنَّ الدِّينَ لا يُختزلُ في مجموعةٍ منَ الطُّقوسِ أو الشَّعائرِ، ولا في منظومةٍ منَ الأحكامِ التَّكليفيَّةِ فحسبُ، وإنَّما يمثِّلُ رؤيةً شاملةً للإنسانِ والحياةِ والوجودِ، تُؤسِّسُ لعلاقةٍ متوازنةٍ بينَ الإنسانِ وخالقِهِ، وبينَ الإنسانِ ونفسِهِ، وبينَ الإنسانِ والإنسانِ الآخَر، وبينَ الإنسانِ والكونِ الَّذي استخلفَهُ اللهُ تعالى فيهِ، وهذهِ الرُّؤيةُ لا تنفصلُ عن بُعدِها الأخلاقيِّ، لأنَّ الأخلاقَ ليستْ عنصرًا ثانويًّا في الدِّينِ، بل هي الإطارُ الَّذي تنتظمُ فيهِ سائرُ القِيَمِ والتَّشريعاتِ.
وقد أكَّدَ القرآنُ الكريمُ أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ مكرَّمٌ، وأنَّ تكريمَهُ سابقٌ على اختلافاتِهِ الدِّينيَّةِ أو العِرقيَّةِ أو الاجتماعيَّةِ، فقالَ سُبحانه تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراءِ: 70].
تُعدُّ هذهِ الآيةُ منطلقًا أساسيًّا لفهمِ فلسفةِ القرآنِ في بناءِ الإنسانِ، إذْ إنَّ الخطابَ موجَّهٌ إلى بني آدمَ جميعًا، لا إلى جماعةٍ بعينِها، ممَّا يدلُّ على أنَّ الكرامةَ الإنسانيَّةَ أصلٌ قرآنيٌّ عامٌّ، لا امتيازٌ يُمنحُ لفئةٍ دونَ أخرى، ومن هنا، فإنَّ أيَّ قراءةٍ تجعلُ إهانةَ الإنسانِ أو سلبَ حقوقِهِ أو استباحةَ حياتِهِ جزءًا منَ الدِّينِ، إنَّما تُناقضُ هذا الأصلَ القرآنيَّ الكلِّيَّ، مهما استندتْ إلى اجتهاداتٍ أو تأويلاتٍ بشريَّةٍ، ويُلاحَظُ هنا تمييزٌ منهجيٌّ بالغُ الأهمِّيَّةِ بينَ النَّصِّ القرآنيِّ وبينَ فهمِ الإنسانِ لهذا النَّصِّ، فالقرآنُ الكريمُ، في اعتقادِ المسلمينَ، وحيٌ إلهيٌّ ثابتٌ، أمَّا تفسيرُهُ فهو جهدٌ بشريٌّ يخضعُ لقدراتِ المفسِّرِ، ولمعارفِهِ، ولسياقِ عصرِهِ، وقد يُصيبُ وقد يُخطئُ، ومن ثمَّ، فإنَّ النَّقدَ العلميَّ لا يتوجَّهُ إلى قداسةِ الوحيِ، وإنَّما إلى بعضِ أنماطِ الفهمِ الَّتي قد تُغفلُ المقاصدَ الكُلِّيَّةَ للنَّصِّ، أو تُجزِّئُهُ، أو تُنزِلُهُ على غيرِ مواضعِهِ، وهنا تتجلَّى ضرورةُ القراءةِ المقاصديَّةِ للقرآنِ الكريمِ، الَّتي تنطلقُ من مجموعِ الخطابِ القرآنيِّ، لا من اقتطاعِ آيةٍ أو عبارةٍ بمعزلٍ عن سياقِها اللُّغويِّ والتَّاريخيِّ والموضوعيِّ، فالقرآنُ يفسِّرُ بعضُهُ بعضًا، وتتكاملُ آياتُهُ في بناءِ رؤيةٍ متماسكةٍ للإنسانِ والحياةِ، الأمرُ الَّذي يقتضي الحذرَ منَ القراءاتِ الانتقائيَّةِ الَّتي تُقدِّمُ الجزئيَّ على الكلِّيِّ، أو الظرفيَّ على الدَّائمِ، أو الاستثنائيَّ على الأصلِ.
انطلاقًا من هذا الفهمِ، فإنَّ الدِّينَ يُقدِّمُ منظومةً منَ القِيَمِ المؤسِّسةِ للحياةِ الإنسانيَّةِ، وفي مقدِّمتِها العدلُ، والرَّحمةُ، والحرِّيَّةُ المسؤولةُ، والأمانةُ، والصِّدقُ، والتَّعاونُ، والإحسانُ، واحترامُ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، وهذهِ القِيَمُ ليستْ مبادئَ نظريَّةً مجرَّدةً، بل هي أسسٌ تُبنى عليها شخصيَّةُ الإنسانِ، وتتشكَّلُ في ضوئِها الأسرةُ، ويستقيمُ بها المجتمعُ، وتنهضُ على أساسِها الدَّولةُ، وتزدهرُ الحضارةُ، ولذلكَ، فإنَّ الأزماتِ الَّتي تعصفُ بالمجتمعاتِ لا تعودُ دائمًا إلى غيابِ القوانينِ، بل كثيرًا ما تكونُ نتيجةً لانهيارِ المنظومةِ الأخلاقيَّةِ الَّتي تمنحُ القانونَ روحَهُ، وتمنحُ السُّلطةَ مشروعِيَّتَها، وتمنحُ الإنسانَ إحساسَهُ بالمسؤوليَّةِ تجاهَ نفسِهِ وتجاهَ الآخرينَ. ومن هنا، فإنَّ إصلاحَ المجتمعِ يبدأُ بإصلاحِ الإنسانِ، وإصلاحُ الإنسانِ يبدأُ ببناءِ وعيِهِ الأخلاقيِّ، وهوَ ما جعلتْهُ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ في مقدِّمةِ مقاصدِها.
لعلَّ أوَّلَ ما يلفتُ الانتباهَ في الخطابِ القرآنيِّ أنَّهُ لا يبدأُ ببناءِ السُّلطةِ، وإنَّما يبدأُ ببناءِ القِيَمِ، لأنَّ القِيَمَ هي الَّتي تُوجِّهُ السُّلطةَ، وتضبطُ استعمالَها، وتمنعُ انحرافَها، ومن هنا، فإنَّ إصلاحَ الإنسانِ يُمثِّلُ في الرُّؤيةِ القرآنيَّةِ الأساسَ الَّذي يقومُ عليهِ إصلاحُ المجتمعِ، فلا يمكنُ أن تُقامَ العدالةُ بقوانينَ مجرَّدةٍ إذا غابَ الضَّميرُ الأخلاقيُّ، ولا أن يتحقَّقَ الأمنُ بالقوَّةِ وحدَها إذا انهارتْ منظومةُ القِيَمِ الَّتي تُربِّي الإنسانَ على احترامِ حقِّ غيرِهِ، وقد لخَّصَ القرآنُ الكريمُ هذهِ المنظومةَ الأخلاقيَّةَ في آيةٍ تُعَدُّ من أجمعِ الآياتِ في بيانِ مقاصدِ القِيَمِ، فقالَ تعالى عزَّ وجلّ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
تكشفُ هذهِ الآيةُ عن بناءٍ أخلاقيٍّ متكاملٍ يقومُ على جانبَيْنِ متلازمَيْنِ: جانبِ البناءِ، وجانبِ الحمايةِ، فالبناءُ يبدأُ بالأمرِ بالعدلِ، الَّذي يُمثِّلُ الأساسَ الَّذي تستقيمُ بهِ العلاقاتُ بينَ الأفرادِ والجماعاتِ والدُّولِ، ثمَّ يرتقي إلى الإحسانِ، وهو مرتبةٌ أخلاقيَّةٌ تتجاوزُ مجرَّدَ أداءِ الحقوقِ إلى الإحسانِ في القولِ والعملِ والتَّعاملِ، ثمَّ ينتقلُ إلى ترسيخِ التَّكافلِ الاجتماعيِّ من خلالِ إيتاءِ ذي القربى، بما يُؤكِّدُ أنَّ المجتمعَ الصَّالحَ لا يقومُ على الفرديَّةِ المنعزلةِ، وإنَّما على التَّراحمِ والتَّضامنِ، وفي المقابلِ، تنهى الآيةُ عن ثلاثةِ أصولٍ تُفضي إلى انهيارِ المجتمعِ، وهي: الفحشاءُ، والمنكرُ، والبغيُ، ويُلاحظُ أنَّ البغيَ جاءَ خاتمةً، لأنَّهُ يمثِّلُ العدوانَ على حقوقِ الآخرينَ، سواءٌ كانَ عدوانًا فرديًّا أم جماعيًّا، فكريًّا أم سياسيًّا أم اجتماعيًّا، ومن هنا، فإنَّ البغيَ لا ينسجمُ معَ جوهرِ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ، لأنَّهُ يهدمُ ميزانَ العدلِ الَّذي أُقيمتْ عليهِ الحياةُ الإنسانيَّةُ.
منَ النَّاحيةِ المنهجيَّةِ، فإنَّ هذهِ الآيةَ تُقدِّمُ معيارًا مهمًّا في قراءةِ النُّصوصِ القرآنيَّةِ، إذْ إنَّها تُظهرُ أنَّ المقاصدَ الأخلاقيَّةَ الكلِّيَّةَ تحتلُّ مركزَ الخطابِ القرآنيِّ، ولذلكَ، فإنَّ أيَّ قراءةٍ تُهمِّشُ العدلَ، أو تُضعفُ قيمةَ الإحسانِ، أو تُبرِّرُ البغيَ والعدوانَ باسمِ الدِّينِ، إنَّما تُناقضُ البناءَ القِيَميَّ الَّذي يُؤسِّسُ لهُ القرآنُ نفسُهُ، وليسَ المقصودُ بذلكَ رفضَ الاجتهادِ أو إنكارَ التَّفسيرِ، وإنَّما التَّأكيدُ أنَّ الاجتهادَ البشريَّ يظلُّ مطالبًا بالانسجامِ معَ المقاصدِ الكلِّيَّةِ للنَّصِّ، وألَّا يتحوَّلَ إلى وسيلةٍ لإفراغِ تلكَ المقاصدِ من مضمونِها، ومن هنا، فإنَّ الدِّينَ، بوصفِهِ رسالةً أخلاقيَّةً، لا يُنتجُ إنسانًا متعصِّبًا، بل يُنتجُ إنسانًا عادلًا، رحيمًا، مسؤولًا، يُدركُ أنَّ قوَّةَ الإيمانِ لا تُقاسُ بحدَّةِ الخطابِ أو شدَّةِ الخصومةِ، وإنَّما بقدرتِهِ على تجسيدِ القِيَمِ الَّتي جاءَ بها الوحيُ في واقعِ الحياةِ، وجعلِها سلوكًا يوميًّا يُسهمُ في بناءِ المجتمعِ وصيانةِ كرامةِ الإنسانِ.
إنَّ المتأمِّلَ في الخطابِ القرآنيِّ يلحظُ أنَّ محورَ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ ليسَ إنتاجَ إنسانٍ يخافُ، بل بناءُ إنسانٍ يعي، ويُفكِّرُ، ويختارُ، ويتحمَّلُ مسؤوليَّةَ أفعالِهِ، ولذلكَ، فإنَّ القرآنَ الكريمَ يُخاطبُ العقلَ بقدرِ ما يُخاطبُ القلبَ، ويجمعُ بينَ الإيمانِ والمعرفةِ، وبينَ العبادةِ والعملِ، وبينَ العقيدةِ والأخلاقِ، ليصوغَ شخصيَّةً إنسانيَّةً متوازنةً، قادرةً على إعمارِ الأرضِ، لا على إفسادِها.
يُجسِّدُ القرآنُ الكريمُ هذهِ الحقيقةَ في قولِهِ سُبحانَه تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
تُعَدُّ هذهِ الآيةُ من أعظمِ النُّصوصِ القرآنيَّةِ الَّتي تُعرِّفُ حقيقةَ التديُّنِ، إذْ إنَّها لا تبدأُ بالشَّعائرِ، بل تبدأُ بتصحيحِ مفهومِ البِرِّ نفسِهِ، فتُبيِّنُ أنَّ الدِّينَ لا يُختزلُ في المظاهرِ الخارجيَّةِ، ولا في الاتِّجاهاتِ المكانيَّةِ، وإنَّما يتجلَّى في منظومةٍ متكاملةٍ منَ الإيمانِ الصَّادقِ، والعملِ الصَّالحِ، والالتزامِ الأخلاقيِّ، والتَّكافلِ الاجتماعيِّ، والوفاءِ بالعهدِ، والصَّبرِ في مواجهةِ الشَّدائدِ، ومنَ النَّاحيةِ اللُّغويَّةِ، فإنَّ لفظَ «البِرِّ» في العربيَّةِ يدلُّ على الاتِّساعِ في الخيرِ، وعلى كمالِ الاستقامةِ والصَّلاحِ، وهو ما يكشفُ أنَّ القرآنَ لا يُعرِّفُ الدِّينَ تعريفًا طقوسيًّا ضيِّقًا، بل تعريفًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا واسعًا، يجعلُ القِيَمَ أساسَ التديُّنِ، ويجعلُ الإنسانَ محورَ الخطابِ، لا وسيلةً لخدمةِ الأفكارِ أو الصِّراعاتِ.
من هنا، فإنَّ القراءةَ المتأمِّلةَ لهذهِ الآيةِ تُفضي إلى نتيجةٍ منهجيَّةٍ مهمَّةٍ، وهي أنَّ القرآنَ الكريمَ يُقيمُ علاقةً عضويَّةً بينَ الإيمانِ والأخلاقِ، فلا قيمةَ لإيمانٍ لا ينعكسُ عدلًا ورحمةً وأمانةً ووفاءً، كما لا معنى لشعائرَ تُؤدَّى إذا كانتْ منفصلةً عن مسؤوليَّةِ الإنسانِ تجاهَ مجتمعِهِ والإنسانيَّةِ جمعاءِ، ولهذا، فإنَّ أيَّ فهمٍ يُحوِّلُ الدِّينَ إلى وسيلةٍ للكراهيةِ، أو يُسوِّغُ الاعتداءَ على الإنسانِ، أو يُعلي من شأنِ الانقسامِ والتَّعصُّبِ، يبتعدُ عن البناءِ القِيَميِّ الَّذي تُؤسِّسُ لهُ هذهِ الآيةُ الكريمةُ. وليسَ هذا حكمًا على النَّصِّ الإلهيِّ، بل هو تقويمٌ لبعضِ أنماطِ الفهمِ البشريِّ الَّتي قد تُغلِّبُ الجزئيَّ على الكلِّيِّ، أو الظَّرفيَّ على المقصديِّ، فتبتعدُ عن روحِ الرِّسالةِ الَّتي تجعلُ الإنسانَ غايةَ الإصلاحِ، لا وسيلةً للصِّراعِ.
من ثمَّ، فإنَّ الدِّينَ، في ضوءِ الخطابِ القرآنيِّ، ليسَ مشروعًا لإنتاجِ جماعاتٍ تُحاكمُ النَّاسَ، وإنَّما مشروعٌ لصناعةِ إنسانٍ يُحاسبُ نفسَهُ قبلَ أن يُحاسبَ غيرَهُ، ويجعلُ منَ العدلِ والرَّحمةِ والإحسانِ ميزانًا لأقوالِهِ وأفعالِهِ، وهذا هو الأساسُ الَّذي تنبني عليهِ المجتمعاتُ المستقرَّةُ، وتنهضُ بهِ الدُّولُ، وتزدهرُ في ظلِّهِ الحضاراتُ.
أنَّ الأخلاقَ لا تكتملُ إلَّا بالحرِّيَّةِ، وأنَّ الإنسانَ لا يكونُ مسؤولًا إلَّا إذا كانَ قادرًا على الاختيارِ، وهذا المبدأُ يُضعفُ الأساسَ الفكريَّ لكلِّ خطابٍ متطرِّفٍ يقومُ على الإكراهِ وإلغاءِ إرادةِ الإنسانِ.
* * * * * * * *
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio