مقالات

حين يفقد المجتمع ثقته

رانية مرجية 21:18 17/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

لا تُقاس خطورة الجريمة بعدد الضحايا الذين يسقطون، مهما كان ذلك موجعًا، وإنما بما تتركه من أثر في نفوس الأحياء. فالقتيل يرحل، أما الذين يبقون خلفه فيواصلون حياتهم محمّلين بسؤال ثقيل: هل نحن في مأمن؟

من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، لم تعد الجريمة خبرًا طارئًا يقطع إيقاع الحياة، بل أصبحت جزءًا من هذا الإيقاع. نستيقظ على نبأ إطلاق نار، ونودّع ضحية جديدة، ثم نعود إلى أعمالنا ومدارسنا وأسواقنا، وكأننا نتعلم، بصمت، كيف نتعايش مع ما كان ينبغي ألا نتعايش معه أبدًا.

هذا الاعتياد هو أخطر ما أنتجته سنوات العنف.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

فالخوف لا يغيّر مزاج الناس فحسب، بل يغيّر علاقتهم بالمكان. الشارع الذي كان مساحة للقاء يصبح مساحة للحذر. والساحة التي كانت تضج بالأطفال تغدو فارغة مع حلول المساء. والأب الذي كان يقلق من تأخر ابنه دقائق، بات يقلق من عودته أصلًا. بهذه التفاصيل الصغيرة تُقاس الهزائم الكبرى؛ لا بعدد الرصاصات، بل بما تسرقه من حياة يومية كان الناس يعدّونها حقًا بديهيًا.

الجريمة، في جوهرها، ليست انتصارًا للمجرم فقط، بل هزيمة لفكرة القانون عندما يعجز عن حماية الناس بالقدر الذي ينتظرونه. فالدولة ليست مطالبة فقط بملاحقة الجناة بعد وقوع الجريمة، بل بمنع المجتمع من الوصول إلى هذه الدرجة من الشعور بالعجز. وحين يضعف الإحساس بأن القانون حاضر وعادل وفاعل، تتآكل الثقة، ومعها تتراجع هيبة المؤسسات، ويصبح الخوف سلطة موازية.

غير أن الدولة، على أهمية دورها، ليست الطرف الوحيد في هذه المعادلة. فالمجتمع أيضًا مسؤول عن حماية قيمه قبل حماية أفراده. وكل صمت عن العنف، وكل تبرير للمجرم، وكل استسلام لفكرة أن «لا شيء سيتغير»، يمنح الجريمة مساحة إضافية كي تتمدد. فاليأس، في كثير من الأحيان، هو الحليف الأقوى للعنف.

إن القضية، في النهاية، ليست قضية أمن فقط، ولا قضية سلاح فقط، بل قضية ثقة. ثقة المواطن بأن حياته لها القيمة نفسها، وثقة الأسرة بأن أبناءها سيعودون إلى بيوتهم سالمين، وثقة الشاب بأن مستقبله يُبنى بالعلم والعمل لا بالخوف، وثقة المجتمع بأن القانون لا يميّز بين دم وآخر.

ولا يُعاد بناء هذه الثقة بالتصريحات، بل بالفعل. بتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، وتجفيف منابع الجريمة، والاستثمار في التعليم والشباب، ودعم السلطات المحلية، وتمكين المبادرات المجتمعية التي تعيد للناس شعورهم بأنهم شركاء في حماية مجتمعهم، لا مجرد متفرجين على نزيفه.

التحدي الحقيقي أمامنا ليس أن نمنع الجريمة التالية فحسب، بل أن نمنع الجريمة من إعادة تشكيل وعينا. لأن المجتمع الذي يفقد ثقته، يفقد شيئًا أكبر من الأمن؛ يفقد القدرة على الحلم.

وحين يصبح الخوف لغة الحياة اليومية، لا يكون السؤال: كم ضحية سقطت؟

بل: كم بقي فينا من إيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نواجهه، قبل أن يفرض علينا الواقع إجابته

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio