مقالات

من أين جاءت المفاضلة بين اليمين و"اليسار" في الخطاب العربي داخل الكنيست؟

ساهر غزاوي  23:55 16/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

بعد أن تتبعنا في المقالات السابقة تطور الخطاب العربي داخل الكنيست منذ قيام دولة إسرائيل وحتى صعود حزب الليكود إلى السلطة عام 1977، وكيف تحول الخطاب الانتخابي تدريجيًا إلى المفاضلة بين "اليمين" و"اليسار"، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن ذلك كله: هل كان وصول الليكود إلى الحكم هو اللحظة التي غيّرت إسرائيل، أم أنه غيّر طريقة قراءتنا للمشهد السياسي الإسرائيلي؟

على امتداد ما يقارب نصف قرن، ترسخ في الخطاب السياسي العربي، محليًا وفلسطينيًا، بل وفي جزء واسع من الخطاب العربي عمومًا، أن المشكلة الأساسية تكمن في صعود "اليمين" الإسرائيلي، بمكوناته القومية والعلمانية والدينية، وأن مواجهة هذا اليمين تقتضي دعم "اليسار"، الذي مثلته تاريخيًا الحركة الصهيونية العُمّالية بقيادة ديفيد بن غوريون، ثم حزب العمل. غير أن التجربة التاريخية تفرض إعادة طرح السؤال من زاوية مختلفة: هل كان الليكود أكثر تشددًا من حزب العمل؟ أم أن السؤال الأهم هو: هل غيّر حزب العمل، حين كان في الحكم، جوهر المشروع الصهيوني أصلًا؟

والمقصود بجوهر المشروع الصهيوني هو المرتكزات التي قامت عليها دولة إسرائيل منذ عام 1948، والمتمثلة في إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين عبر الاحتلال، وتهجير الشعب الفلسطيني الأصلاني، وارتكاب المجازر وعمليات التطهير العرقي، والاستيلاء على الأرض، وإقامة المستوطنات والمدن الإسرائيلية على أنقاض القرى والبلدات الفلسطينية المدمرة، إلى جانب تثبيت أغلبية يهودية، ومنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، والحفاظ على الطابع اليهودي للدولة. وهذه المرتكزات بقيت، في جوهرها، ثابتة في سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مهما اختلفت الأحزاب في خطابها أو في أساليب إدارتها للصراع.

فالمسألة ليست: من كان أكثر تشددًا في خطابه؟ بل: من الذي أسس الدولة؟ ومن الذي قاد حرب عام 1948 وما رافقها من مجازر وعمليات تطهير عرقي وتهجير بحق الفلسطينيين؟ ومن الذي أقام الحكم العسكري على الفلسطينيين في الداخل؟ ومن الذي ارتُكبت في عهده مجزرة كفر قاسم عام 1956؟ ومن الذي قاد احتلال عام 1967؟ ومن الذي صادر الأراضي الفلسطينية وأطلق مشاريع التهويد؟ ومن الذي سُفكت في عهده دماء الفلسطينيين في يوم الأرض عام 1976؟ وهل تبدل جوهر المشروع الصهيوني بتبدل الحزب الحاكم، أم تبدلت فقط أساليب إدارته وتسويقه؟ وإذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة تقود إلى الحزب الذي يُصنف اليوم ضمن "اليسار الإسرائيلي"، فما الذي جعل "اليمين" وحده يتحول إلى "البعبع" في الخطاب السياسي العربي؟

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التذكير بأن مصطلحي "اليمين" و"اليسار" لم ينشآ في السياق الإسرائيلي، بل يعود أصلهما إلى الجمعية الوطنية الفرنسية عقب الثورة الفرنسية عام 1789، حين جلس أنصار الملك إلى يمين رئيس المجلس، بينما جلس دعاة التغيير إلى يساره. ثم تطورت دلالاتهما في الفكر السياسي الغربي، فأصبح اليسار يُقرن غالبًا بالعدالة الاجتماعية، وتوسيع دور الدولة، والدفاع عن الحقوق المدنية، في حين ارتبط اليمين بالمحافظة الاجتماعية، والهوية القومية والدينية، والاقتصاد الحر. غير أن إسقاط هذه التصنيفات على الحالة الإسرائيلية ليس أمرًا مباشرًا، إذ إن الخلاف بين "اليمين" و"اليسار" في إسرائيل لا يدور، في جوهره، حول شرعية المشروع الصهيوني أو هوية الدولة اليهودية، وإنما حول أساليب إدارة هذا المشروع وحدود التسوية مع الفلسطينيين.

ولفهم الكيفية التي نشأت بها المفاضلة بين المعسكرين في الخطاب العربي، لا بد من العودة إلى التحولات التي أعقبت حرب حزيران 1967. فقد أسفر احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، واحتلال كامل مدينة القدس، بما في ذلك شطرها الشرقي، عن تحول جوهري في طبيعة الصراع كما عُرض سياسيًا ودوليًا، إذ انتقل مركز الاهتمام، بدرجة كبيرة، من معالجة نتائج نكبة عام 1948 إلى التركيز على قضية الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. وفي هذا السياق برزت مشاريع التسوية السياسية القائمة على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، لتصبح المرجعية الأساسية التي حكمت جانبًا كبيرًا من النقاشات السياسية والإقليمية والدولية في العقود اللاحقة.

وفي ظل هذه التحولات، بدأ يظهر داخل إسرائيل تمايز في الخطاب بين الحركة الصهيونية العُمّالية، التي أبدت استعدادًا للتفاوض حول الأراضي المحتلة ضمن تسوية سياسية، وبين التيارات القومية التي تمسكت بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة" ورفضت الانسحاب منها. وانعكس ذلك على النظرة العربية، إذ بدا لكثيرين أن تحقيق أي تقدم سياسي أو كبح للتوسع الاستيطاني يمر عبر تقوية هذا التيار وإضعاف خصومه في اليمين. وعندما وصل الليكود إلى السلطة عام 1977، أصبح هذا التمايز أكثر وضوحًا، ليس لأن جوهر المشروع الصهيوني قد تبدل، وإنما لأن الخلاف حول إدارة الأراضي المحتلة وحدود التسوية أصبح أكثر صراحة وظهورًا. ومع مرور الوقت، تراجع هذا التيار الصهيوني العُمّالي تدريجيًا حتى فقد مكانته التي احتفظ بها لعقود، في ظل انزياح المجتمع الإسرائيلي بأحزابه وتياراته نحو اليمين، وهو ما جعل كثيرًا من الطروحات التي كانت تُعد يومًا جزءًا من "اليسار الإسرائيلي" أقرب إلى الماضي منها إلى الواقع السياسي الإسرائيلي الراهن.

وفي ظل هذا الواقع، بدأت تتبلور داخل الخطاب السياسي العربي، ولا سيّما البرلماني منه، فكرة المفاضلة بين المعسكرين. فطالما أن العمل يجري داخل الكنيست، وأن تشكيل الحكومات يعتمد على موازين القوى الإسرائيلية، بدا حزب العمل لدى كثيرين الخيار "الأقل ضررًا"، ليس لأنه خارج المشروع الصهيوني، وإنما لأنه أظهر استعدادًا أكبر لإدارة الصراع عبر التسويات السياسية، في مقابل خطاب الليكود الأكثر صراحة في رفضها. ومن هنا، لم يكن التخوف من اليمين قائمًا على اعتباره خارج المشروع الصهيوني أو مختلفًا عن "اليسار" في جوهره، وإنما على كونه أكثر وضوحًا في التعبير عن أهداف هذا المشروع، بينما بدا حزب العمل أكثر قدرة على إدارة هذه الأهداف وتسويقها سياسيًا ودوليًا.

ومن هنا يمكن القول إن المفاضلة بين "اليمين" و"اليسار" لم تنشأ من فراغ، ولم تكن مجرد شعار انتخابي، بل جاءت في سياق التحولات السياسية التي أعقبت حرب عام 1967، وتعززت مع صعود الليكود إلى السلطة عام 1977، حين بدا أن الخلاف بين المعسكرين يدور حول مستقبل الأراضي المحتلة وحدود التسوية السياسية. ومن هذا المنطلق، ترسخ في الخطاب العربي أن حزب العمل، أو ما سُمي بـ "اليسار الإسرائيلي"، يمثل الخيار "الأقل ضررًا" في مواجهة اليمين.

وهكذا لم تكن المفاضلة نتاج اختلاف في جوهر المشروع الصهيوني، بل ثمرة قراءة سياسية انعكست في الخطاب الانتخابي العربي، اختزلت الخلاف بين المعسكرين في أساليب إدارة الصراع وحدود التسوية، لا في طبيعة المشروع الصهيوني نفسه. ومع مرور الوقت، تحول هذا التصور إلى أحد أكثر المرتكزات حضورًا في الخطاب السياسي العربي، وإلى ركيزة أساسية في الحملات الانتخابية للأحزاب العربية، التي جعلت من التحذير من "بعبع اليمين" أحد أبرز عناوينها وشعاراتها.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio