مقالات

دفاعاً عن الوجود: التصدي للفاشية واجب الجميع لحماية هويتنا وبقائنا على أرضنا

إياد إغبارية 21:47 14/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

بقلم: إياد إغبارية - كاتب متخصص بالعلوم السياسية

يمرّ مجتمعنا العربي في الداخل اليوم بأدق وأخطر مرحلة وجودية نعيشها منذ عقود طويلة. ما نمر به في هذه الأيام ليس مجرد أزمة سياسية عابرة أو دورة انتخابية روتينية كباقي الدورات، بل هو مواجهة شاملة ومباشرة تمس تفاصيل حياتنا اليومية كافة. إنها مواجهة تستهدف أرضنا التي نعيش عليها، وتستهدف المسكن، وأمننا الشخصي الذي بات مفقوداً في شوارعنا، وصولاً إلى لغتنا وهويتنا العربية التي يحاولون خنقها في كل مكان وإلى قوانين منع الآذان والتضييق على العرب في الحيز العام. في ظل هذا الواقع الصعب والمقلق، لم يعد العمل السياسي أو الذهاب إلى صناديق الاقتراع مجرد ترف أو خيار خاضع للمزاج والكسل، بل تحول إلى خط دفاع هام ولا يجوز إسقاطه ضمنياً والتخلي عنه كخيار لا أريد أن أقول كخيار أساسي ووحيد، إنما خيار لا يقل أهمية عن أي نضال جماهيري أو سياسي أو اجتماعي يساهم بمنع الاستفراد بنا وتصفية حقوقنا كأصحاب أرض أصليين.

إذا نظرنا بعمق إلى ما يجري حولنا، سنرى بوضوح أن المؤسسة الحاكمة، وبدفع قوي من اليمين المتطرف، تعمل وفق تيار يميني متطرف بهدف تضييق الخناق علينا. هذه الممارسات لا تعتمد فقط على تصريحات عنصرية هنا وهناك، بل تُرجمت إلى قوانين وتشريعات جائرة تُسنّ يومياً لتضييق الهامش الديمقراطي وتثبيت الفوقية. يظهر هذا الحصار بوضوح في أزمة السكن الخانقة التي تعيشها بلداتنا العربية، حيث تُمنع من التوسع وتُصادر أراضيها، بينما تتسارع جرافات الهدم لتهدم البيوت بحجة عدم الترخيص، وهي حجة واهية تخفي خلفها تعنتاً مقصوداً في عدم توفير مخططات وخرائط تنظيمية لقرانا ومدننا. يرافق كل هذا إهمال متعمد للخدمات والبنى التحتية، وانتشار مخيف للجريمة والعنف بسبب تقاعس أجهزة الأمن، بالإضافة إلى تهميش وعنصرية واضحة في سوق العمل تزيد من نسب البطالة والفقر لدى شبابنا وبناتنا.

ولم تقف هذه الهجمة عند حدود لقمة العيش والمسكن، بل امتدت لتطال الرمز الثقافي الأهم وهو لغتنا العربية التي باتت تُحارب في الفضاء العام بشكل مستفز. وعلّنا نتذكر جميعاً ما حدث في ذلك المتجر الكبير والمعروف في تل أبيب، حين طُلب من العمال العرب بشكل مهين عدم التحدث بلغتهم الأم أثناء العمل. هذا الموقف لم يكن تصرفاً فردياً معزولاً، بل هو انعكاس لثقافة متغلغلة تريد طمس هويتنا وإجبارنا على التنازل عن انتمائنا وكرامتنا في بلادنا.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

أمام كل هذه التحديات، يبرز السؤال الأهم: كيف نواجه هذا المخطط؟ الإجابة تكمن ببساطة في فهم لعبة الأرقام وموازين القوى السياسية. نحن كعرب نشكل نحو واحد وعشرين بالمئة من السكان، وهذه النسبة تعادل ديموغرافياً ما يقارب خمسة وعشرين مقعداً في البرلمان. لكن هذه القوة الكبيرة تظل مجرد حبر على ورق إذا لم نقم بتحويلها إلى أصوات حقيقية في صناديق الاقتراع. لنتخيل معاً ما يحدث بحسابات بسيطة: إذا بلغت نسبة التصويت العامة في الدولة نحو ثمانية وستين بالمئة، بينما تراجعنا نحن وتكاسلنا ولم تتعدى نسبة التصويت في بلداتنا الأربعين بالمئة، فإن النتيجة الحتمية هي ضياع آلاف الأصوات العربية تحت نسبة الحسم، وتقلص تمثيلنا الإجمالي إلى ستة أو ثمانية مقاعد فقط. هذا التراجع يمنح معسكر اليمين المتطرف أغلبية ساحقة ومريحة تفوق خمسة وستين مقعداً، مما يسهل عليهم تمرير أكثر القوانين فاشية ومصادرة لحقوقنا دون أن يجدوا من يقف في وجوههم.

وفي المقابل، لو قرر الشارع العربي كسر حالة الإحباط والنهوض للتصويت بكثافة لتصل نسبة مشاركتنا إلى سبعين بالمئة، فإن المعادلة ستنقلب تماماً. في هذه الحالة، ستقفز القوة التمثيلية للأحزاب العربية لتتراوح بين أربعة عشر وستة عشر مقعداً. هذا الارتفاع ليس مجرد أرقام، بل هو خفض مباشر وتلقائي لمعسكر اليمين الفاشي ليهبط دون الستين مقعداً ويُحرم من تشكيل حكومة يمين متجانسة تفعل ما تشاء. هنا تصبح القوة العربية صخرة قوية تتحطم عليها التشريعات العنصرية، وقوة ضاغطة لانتزاع الميزانيات وتجميد أوامر هدم البيوت ومحاربة الجريمة. لذا، فإن كل مواطن يختار مقاطعة الصناديق بداعي اليأس، إنما يقدم صوته دون أن يشعر كهدية مجانية لليمين المتطرف ليزداد قوة ويبطش بنا أكثر.

هذه المسؤولية تفرض أولاً على الأحزاب العربية ضرورة الارتقاء إلى مستوى التحدي، والعمل الفوري والجاد لإنشاء قائمة عربية مشتركة تجمع الصفوف وتبدأ النزول إلى الشارع لتجنيد الناس وتوعيتهم بأهمية المعركة الانتخابية. ولكن، وحتى لو لم تنجح هذه الأحزاب في التوحد جميعها واختارت خوض الانتخابات في قوائم منفصلة، ولكن على الأحزاب العربية أن تفهم خصوصية هذه المرحلة وأن القوانين التي سينجح اليمين في تشريعها لن يكون من السهل إلغائها لاحقاً، لذا واجب اللحظة هو إقامة سد موحد في وجه هذه الموجة العنصرية التي تضرب أمواجها كافة نواحي حياتنا في هذه الفترة، ومع ذلك في حال فشل توحيد الأحزاب العربية فإن واجبنا ومسؤوليتنا كجمهور لا تسقط أبداً. لا يجب أن نعاقب أنفسنا بسبب خلافات القيادة، بل يظل واجبنا الوطني والأخلاقي هو الذهاب للتصويت ودعم حقنا ومطالبنا ولضمان وجود صوت عربي قوي ومتعدد يدافع عن حقوقنا. إن وجود أعضاء برلمان عرب يصرخون باسمنا ويفضحون سياسات التمييز أفضل بآلاف المرات من برلمان فارغ من هويتنا، يسوده الصمت أمام من يريدون اقتلاعنا.

إن مقاطعة الانتخابات ليست موقفاً نضالياً أو ثورياً في ظروفنا الحالية، بل هي انسحاب طوعي يترك الساحة فارغة تماماً لمن يريد ترحيلنا سياسياً وطمسنا ثقافياً. الذهاب إلى صناديق الاقتراع هو أداة اشتباك أساسية لحماية بيوتنا من الهدم، وللحفاظ على لغتنا العربية في كل المحافل، وللتأكيد على أننا باقون في أرضنا بكرامة، ومستعدون لخوض النضال السياسي والجماهيري لتثبيت حقوقنا ومطالبنا وتأكيد وجودنا كأقلية أصلانية لها الحق الكامل كأي مواطن آخر بالدولة. إن المرحلة تتطلب أن نقوم بحماية وجودنا، والدفاع عن هويتنا الدينية والثقافية والوطنية، وأن نجعل من أصواتنا درعاً يصد عنا وعن أبنائنا ظلم العنصرية والطغيان، ومحاولة القفز عن حقوقنا ومتطلبات وجودنا وثباتنا في بلادنا، ومحاولة خنق صوتنا لترتع قطعان العنصريين والفاشيين على أرضنا وفي مدننا وشوارعنا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio