يتصاعد في السنوات الأخيرة شكلٌ جديد من الوقاحة داخل بعض المصالح في المجتمع اليهودي: مشغّلون يطالبون العمّال العرب بالتوقف عن التحدث بلغتهم الأم، العربية، حتى فيما بينهم أو أثناء مكالماتهم الشخصية مع عائلاتهم. هذا السلوك ليس “حساسية لغوية”، بل تعبير فاضح عن عقلية استعمارية ترى في العربية خطرًا، وفي العربي مادة يجب تهذيبها، قصّها، وتقليمها كي تلائم خيالًا عن واقعٍ لا وجود له. العربية تُعامل كأنها لغة عدوّ، رغم أنها لغة أهل البلاد الأصليين، لغة الجار، لغة التاريخ المشترك، ولغة المنطقة التي تعيش فيها إسرائيل. هذا المنع ليس سوى محاولة بائسة لكبت الهوية العربية، وإعادة إنتاج علاقة السيد والتابع، حيث يُسمح للعامل العربي أن يعمل، لكن لا يُسمح له أن يكون نفسه.
العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل إحدى أعظم لغات الحضارة الإنسانية. هي لغة الفلسفة في العصر الذهبي، لغة الطب والرياضيات والفلك حين كانت أوروبا تتلمّس طريقها خارج الظلام. يكفي أن نستذكر قول يوهان فِك: “العربية من أكثر لغات العالم ثراءً، وهي لغة كاملة، مرنة، تتسع لكل جديد.” أو قول ثيربانتس: “من يتقن العربية يستطيع أن يشعر بنبض الإنسانية.” هذه اللغة التي يُطلب من العامل العربي خنقها في مكان عمله هي لغة مئات الملايين، ولغة ألف عام من الإبداع العلمي، ولغة هويةٍ لا يمكن اقتلاعها بقرار مدير أو بنزعة عنصرية.
وفي الوقت الذي تُقمع فيه العربية داخل المصالح، يعيش المجتمع اليهودي في جهل شبه كامل تجاهها، رغم أنها لغة الجيران، ولغة المواطنين العرب، ولغة المنطقة التي لا يمكن لإسرائيل أن تنفصل عنها مهما حاولت. من يريد سلامًا لا يمكنه أن يجهل لغة البيئة التي يعيش فيها. السلام ليس معاهدة تُوقّع، بل قدرة على فهم الآخر، لغته، ثقافته، وتاريخه. الجهل بالعربية هو جهل بالواقع نفسه.
تتراكم شهادات عمّال عرب تكشف عمق المشكلة، وتفضح كيف يتحوّل المنع اللغوي من “طلب لطيف” إلى أداة ضبطٍ مهينة. أحد العمّال في متجر كبير في حيفا يروي أنّ مديره اقترب منه أثناء حديثه مع زميله العربي وقال له بلهجة آمرة: “احكوا عبري، الزبائن بتوتروا من العربي.” لم يكن هناك زبون واحد في المكان، لكن المدير كان بحاجة لإثبات سلطته، وكأن العربية جريمة يجب ضبطها قبل أن تنتشر. عاملة عربية في سلسلة مقاهي في تل أبيب تقول إنّها تلقت ملاحظة مكتوبة في مجموعة العمل على واتساب: “يُفضّل عدم التحدث بالعربية أمام الزبائن.” لم يكن هناك “تفضيل” في الحقيقة؛ كان تهديدًا مبطّنًا بأنّ هويتها اللغوية غير مرغوبة، وأنّ عليها أن تتخلّى عن جزء من ذاتها كي لا تُزعج حساسية زبون لا يعرف شيئًا عن اللغة التي يسمعها.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });عامل آخر في ورشة بناء في القدس يروي أنّه تلقّى مكالمة من والدته، وحين ردّ عليها بالعربية، صرخ عليه المشرف: “احكي عبري، إحنا بدولة يهودية.” وكأنّ المواطنة تُقاس باللغة التي تتحدث بها مع أمّك، وكأنّ العامل العربي يجب أن يعتذر عن وجوده في وطنه كلّما نطق كلمة عربية. وفي متجر إلكترونيات في نتانيا، يقول شاب عربي إنّ مديره طلب منه ألّا يتحدث بالعربية مع زبائن عرب، بحجّة أنّ “هذا يخلق أجواء غير مريحة”. أي أنّ الزبون العربي نفسه يصبح مصدر تهديد لمجرّد أنّه يتحدث لغته، وكأنّ العربية تُحوّل المكان إلى منطقة خطر.
هذه الشهادات ليست قصصًا فردية، بل نماذج لواقع يتكرّر يوميًا: لغة تُعامل كأنها سلاح، وهوية تُعامل كأنها خطأ يجب تصحيحه، وعامل عربي يُطلب منه أن يترك لغته خارج باب العمل كما يترك معطفه. لكن اللغة ليست معطفًا، ولا يمكن خلعها. هي نبض، ذاكرة، وانتماء. ومحاولة منعها ليست فقط عنصرية، بل فعلٌ عنيف ضد إنسانٍ يحاول أن يعيش بكرامة في وطنه.
الخوف من العربية داخل المجتمع اليهودي ليس ظاهرة لغوية، بل ظاهرة نفسية–اجتماعية عميقة الجذور، تتغذّى من التاريخ، والسياسة، والذاكرة الجماعية، ومن علاقة غير متوازنة بين مجموعتين تعيشان في مساحة واحدة دون أن تتقاسما رواية واحدة. أولى طبقات هذا الخوف هي الذاكرة الأمنية التي تربط العربية، في المخيال العام، بأصوات الحروب وبثّات الراديو في أيام التوتر. هذا الربط ليس نتيجة احتكاك مباشر، بل نتيجة سنوات طويلة من التمثيل الإعلامي الذي قدّم العربية كلغة صراع، لا كلغة حياة. وهكذا، حين يسمع بعض اليهود العربية في مكان عمل أو شارع، لا يسمعون لغة، بل يسمعون صدى تاريخٍ لم يعيشوه شخصيًا، لكنه يعيش فيهم.
الطبقة الثانية هي الجهل اللغوي. المجتمع اليهودي، رغم وجوده في قلب الشرق الأوسط، لا يتعلم العربية إلا بشكل هامشي. هذا الجهل يخلق فراغًا معرفيًا، والفراغ يُملأ عادة بالخوف. حين لا تفهم لغة الآخر، يصبح كل ما يُقال فيها قابلًا للتأويل السلبي. كلمة بسيطة بين عاملين عرب قد تُفسَّر كتهديد، أو كحديث “غير مريح”، فقط لأن المستمع لا يعرف معناها. الجهل هنا ليس بريئًا؛ إنه جهلٌ يُنتج خوفًا، والخوف يُنتج عداءً.
الطبقة الثالثة هي العلاقة غير المتوازنة بين القوة والهوية. العربية في إسرائيل ليست لغة مهاجرين، بل لغة السكان الأصليين، لغة القرى والمدن التي سبقت الدولة. وجودها يذكّر البعض بأنّ هناك رواية أخرى للبلاد، رواية لا يمكن محوها. هذا التذكير قد يخلق قلقًا لدى من يريد واقعًا بسيطًا، أحاديّ اللغة، أحاديّ الرواية. وهكذا يتحوّل سماع العربية إلى لحظة مواجهة مع حقيقة غير مرغوبة: أن البلاد متعددة الهويات، وأن العربية ليست ضيفًا، بل جزءًا أصيلًا من المكان.
الطبقة الرابعة هي الخوف من فقدان السيطرة. في أماكن العمل، حين يتحدث عمّال عرب بالعربية، يشعر بعض المشغّلين بأنهم خارج دائرة الفهم، وبالتالي خارج دائرة السيطرة. هذا الشعور يُترجم إلى رغبة في فرض العبرية كلغة وحيدة، ليس لأسباب عملية، بل لضمان أن كل كلمة تمرّ عبر بوابة السلطة. المنع اللغوي هنا ليس منعًا للغة، بل منعًا لحرية العامل في أن يكون ذاته.
الطبقة الخامسة هي التمثيل السياسي، حيث تُستخدم العربية أحيانًا كرمز للتهديد أو كعلامة على “الآخر” الذي يجب الحذر منه. هذا الاستخدام يخلق بيئة نفسية تجعل بعض الناس يتعاملون مع العربية كخطر، حتى حين تكون مجرد حديث بين أم وابنها، أو بين زميلين في استراحة عمل.
لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك: العربية ليست تهديدًا، بل مرآة. مرآة تعكس واقعًا متنوعًا، وتكشف هشاشة رواية أحادية لا تستطيع استيعاب التعدد. الخوف من العربية ليس خوفًا من اللغة، بل خوفًا من الاعتراف بأنّ الآخر موجود، حيّ، يتحدث، ويشارك المكان. وحين يُطلب من العامل العربي أن يصمت لغويًا، فإنّ ما يُطلب منه في الحقيقة هو أن يتلاشى. لكن اللغة لا تتلاشى. هي تعود دائمًا، لأنها ليست صوتًا فقط، بل ذاكرة وهوية ووجود.
العربية ليست تهديدًا، بل فرصة. هي جسر يمكن أن يربط بين مجتمعين، لا حاجزًا يفصل بينهما. وكل محاولة لمنعها في أماكن العمل ليست فقط عنصرية، بل تعبير عن خوفٍ مرضي وجهلٍ عميق. من يريد مستقبلًا أفضل لهذه البلاد عليه أن يعترف بأن العربية جزء من نسيجها الطبيعي، وأن احترامها ضرورة أخلاقية وإنسانية وسياسية.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio