مقالات

الشرق الأوسط… عندما تنهار قواعد الردع

رانية مرجية 18:05 11/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

ليست أخطر ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم كثافة النيران، ولا حدة التصريحات المتبادلة، بل تآكل القواعد التي حكمت الصراع لعقود. فقد اعتادت المنطقة أن تعيش على إيقاع الأزمات، لكنها كانت، في نهاية المطاف، تستند إلى خطوط حمراء غير مكتوبة يدركها الخصوم، وتفرض على الجميع حدودًا لا يجوز تجاوزها. أما اليوم، فإن هذه الحدود تبدو أكثر ضبابية من أي وقت مضى، فيما يتراجع اليقين الذي قام عليه ميزان الردع، ويصبح الخطأ في الحسابات خطرًا لا يقل عن قرار الحرب نفسه.

لم يعد الصراع يدور حول من يمتلك القدرة على توجيه الضربة الأقوى، بل حول من يفرض القواعد التي تحدد متى تُستخدم القوة، وكيف، وإلى أي مدى. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تتشكل في الإقليم، بعيدًا عن ضجيج العناوين اليومية.

قد يبدو المشهد، في ظاهره، مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لكنه في جوهره يعكس تحولًا أعمق. فالمنطقة لا تعيش أزمة عابرة، بل لحظة يعاد فيها تعريف موازين القوة، وحدود الردع، وطبيعة العلاقة بين الخصوم. وما يبدو سلسلة من التهديدات والردود المتبادلة ليس سوى تعبير عن صراع أشمل على شكل النظام الإقليمي الذي سيتكون في السنوات المقبلة.

لهذا، فإن السؤال الأكثر تداولًا: هل سترد إيران؟، لا يكفي لفهم ما يجري.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث عندما تتآكل القواعد التي منعت الخصوم، طوال سنوات، من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟

في الفكر الاستراتيجي، لا يقوم الردع على امتلاك القوة وحدها، بل على اقتناع الخصم بأن استخدامها ستكون له كلفة تفوق أي مكسب متوقع. وكتب المفكر الأمريكي توماس شيلينغ، أحد أبرز منظري الردع، أن جوهر القوة ليس في استخدامها، بل في إقناع الخصم بأنها قد تُستخدم إذا تجاوز الحدود. هذه الفكرة، التي حكمت توازنات الحرب الباردة، تبدو اليوم حاضرة بقوة في الشرق الأوسط، حيث تتنافس الأطراف على فرض قواعد جديدة للاشتباك أكثر مما تتنافس على خوض حرب شاملة.

من هنا يمكن قراءة المشهد الراهن. فكل طرف يحاول تثبيت معادلة ردع تخدم مصالحه: إيران تسعى إلى الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الرد، وإسرائيل تؤكد أنها لن تسمح بقيام تهديد تعتبره وجوديًا، فيما تواصل الولايات المتحدة إرسال رسائل تؤكد استعدادها لحماية قواتها ومصالحها. وفي المقابل، تستمر الوساطات الإقليمية والدولية في محاولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، إدراكًا منها أن البديل عن الحوار قد يكون انزلاقًا لا يملك أحد السيطرة على مآلاته.

ورغم حدة الخطاب، لا تبدو أي من القوى الرئيسية راغبة في حرب إقليمية مفتوحة. فالحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية تجعل كلفة المواجهة الشاملة باهظة على الجميع. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تندلع دائمًا لأن أحدًا أرادها، بل لأن الجميع أخطأ في تقدير حدود الطرف الآخر.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.

كل طرف يرفع سقف التهديد لتعزيز الردع، لكنه، في الوقت نفسه، يزيد احتمال أن تُساء قراءة رسائله. وعندما تتحول المناورات العسكرية إلى لغة سياسية، ويصبح التصعيد جزءًا من الحياة اليومية، قد يكون حادث محدود، أو اشتباك بحري، أو ضربة أخطأت هدفها، كافيًا لإطلاق سلسلة من ردود الفعل تتجاوز ما خطط له جميع الفاعلين.

ويظل مضيق هرمز مثالًا صارخًا على هشاشة هذا التوازن. فهو ليس مجرد ممر لعبور النفط، بل عقدة رئيسية في الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل فيه يمتد أثره إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية، بما يحول أي تصعيد محلي إلى أزمة تتجاوز حدود الإقليم.

لكن وسط خرائط القوة وحسابات الردع، يغيب الطرف الوحيد الذي لا يشارك في صناعة القرار: المدنيون. فبينما تتنافس الدول على إدارة القوة، يدفع الناس ثمن كل خطأ في تقديرها. والحروب، مهما اختلفت مبرراتها، تُخطط في غرف القرار، لكنها تُختبر في حياة البشر.

ولعل الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الشرق الأوسط يقف على أعتاب حرب جديدة فقط. فالمنطقة تعيش، منذ سنوات، صراعًا مستمرًا تتغير أدواته باستمرار؛ مرة عبر المواجهات العسكرية، ومرة عبر العقوبات، ومرة عبر الهجمات السيبرانية، ومرة عبر الاغتيالات وحروب الوكلاء. أما فترات التهدئة، فغالبًا ما تكون محاولات لإدارة الصراع، لا لإنهائه.

لقد اعتاد الشرق الأوسط أن يعيد رسم خرائطه بعد كل حرب. أما اليوم، فإن ما يُعاد رسمه ليس الخرائط وحدها، بل القواعد التي قامت عليها معادلات الأمن والردع طوال عقود.

قد لا تكون الحرب المقبلة هي أخطر ما ينتظر الشرق الأوسط، بل أن يعتاد الجميع العيش على حافتها حتى ينسوا أنها ما زالت حربًا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio