سقى الله تلك الأيام
زهير دعيم
سقاها مطرًا وخيراتٍ وذكرياتٍ وزهرًا لا يذبل !
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });سقى الله أيام الماضي ؛ الماضي الجميل ، رغم ما كان فيه من فقر وعوْزٍ ومرض ، فقد رَفَلَ بالمحبّةِ وتبخترَ بالقناعة ، وتسربلَ بالإخوّة ، وتلفّع بالمسامحةِ والتسامح ، فما عَرفنا الطوائفَ ولا التحزّبات .
أذكرُه بالخير ... نعم بالخيرِ وأكثر ، وأناجيه حينًا بالحرفِ وتارةً بالهمسِ وأخرى بالصورةِ والرسمِ والصوتِ الجهوري ، فالتقنيّةُ المُتقدّمةُ لها ميزاتُها الجميلة ، والعيشُ الرغيدُ له مزاياه البديعة ، والحضارةُ لها رونقُها ، ولكن تبقى الضريبةُ والضريبةُ المُضافةُ لهذه الحضارةِ التي سلخت الانسانَ من انسانيتِه ورمتْ به بعيدّا الى اوديةِ العنفِ والتعصّبِ البغيضِ والتكفيرِ والطمع ، فتسمع نشرةً للأخبارِ فتدخلُك وتداخلُك ألفُ موجةٍ من التشاؤمِ والاحباط، فحربٌ هنا ،وانفجارٌ هناك، واطلاقُ رصاصٍ هنالك ، وسرقةُ مَصرفٍ في وَضحِ النهارِ في البلدةِ المجاورة !!!
سقى اللهُ تلكَ الأيام !
أيامِ البيادرِ والنوْرجِ والعجّالِ والرّاعي يُسابقُ الفجرَ الى حِضنِ الطبيعةِ البكر ، يسحرُ العنادلَ بشجوِ نايِه.
سقى الله تلك الأيام ؛ أيامِ الرَّحى وطاحونةِ القهوةِ وعودِ الحرّاثِ والزقلةِ والشيش بيش وورق اللعب.
سقى الله تلك الايام ....
أيامِ المجدّرةِ والغليظةِ والكرشِ ومرقةِ العدسِ من سدّتِنا العامرةِ بالحبوبِ والبليلةِ والزلابيّةِ ولُقمِ القاضي والزرد ( كعك العيد).
ذكرَها اللهُ بالخير تلك الأيامِ التي كنتُ احيانًا اركبُ ظهر النورجِ ايامًا وانتظرُ بلهفة فصْلَ القمحِ عن التِّبنِ حتّى يتكرّمَ عليّ المرحومُ أبي بشيءٍ من غلّةِ القمحِ كنّا ندعوها " شروة" فنحملُها فرحينَ الى دكّانِ الجمعيّةِ القريبِ من بيتنِا حيثُ يعملُ هناك عمو محمد حيدر ( المرحوم أبو عيسى)، فيأخذ الشروةُ ويُردفها الى شرواتٍ اخرى تقبعُ في قُفّةٍ تقتعدُ زاويةُ من الدّكان ، ثمّ يقومُ الى مرطبان السكاكر الحمراء الجميلة (ألأوم ) فيملأَ او يكاد الطنجرةَ الصغيرةَ التي احتوت القمح، فنطير من الفرحِ او نكاد.
حقيقة طارتِ المحبّةُ أو كادت ؛ طارتْ مع العفويةِ والبساطةِ والفقرِ والانسانيّةِ الفطريّةِ والشعورِ مع الغيرِ ومشاركتِهم صبّاتِ الباطونِ والحصيدةِ والتعشيب ، أمّا عنِ المعايداتِ فلا تسألْ فكان بيتُنا كما كلِّ البيوتِ يمتلئُ يومَ العيدِ بالمعايدين من كلّ الطوائف ، أمّا اليوم فيا حسرة فليس هناك من يعايدُ أخاه أو اختَه ، بل يعايدون شرمَ الشيخ وايلات وانطاليا ، وأمّا الميسورون فلندن مربط خيلهم والبارسا ملعب " ميسهم "
سقى الله تلك الايام ... أيام كانَ المطرُ مطرًا حقيقيًا والرعدُ أصيلًا يزعزعُ البيوتَ الترابيّةَ فتصرخ ُامّي رحماتُ اللهِ على روحِها : "يا ربّ احمِ البيت وربّ البيت".
كانت تختفي الشمسُ عشرةَ ايامٍ يلتحفُها الغيمُ فتصرخُ من الصقعة !!!
أمّا عن الوادي الذي يجري قبالةَ بلدتِنا فكانَ يزغردُ فرحًا وهو يغمرُ الاراضيَ عن اليمينِ وعن الشّمال.
سقى اللهُ تلك الايام ( حتّى في أخرياتها) فقد كانت تحملُ لنا الفرحَ واللهفةَ الحقيقيّةَ والترقّبَ الجميلَ منتظرين ايامَ الجُمع لنحظى بفيلمٍ عربيٍّ يجمعُ بين شادية وعبد الحليم حافظ في لوحاتِ عشقٍ ملوّنة.
لا انكرُ... أيامُنا الحاضرةُ عامرةٌ بالخيراتِ والحضارةِ والمالِ والحلالِ ولكنها تفتقدُ الى هدأةِ البالِ التي سادت آنذاك ،والى المحبّةِ التي كوكبت في النفوسِ والازقةِ وبينَ مساكبِ التبغِ وعلى العين وفي حقول القمح والكرسنة.
سقى اللهُ تلك الايام وذكرَها بالخير.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio