في ذكرى وفاة المربي الفاضل الأستاذ جمال طربية (أبو الأدهم)، نقف بكل وفاء وإجلال أمام سيرة رجلٍ ترك بصمةً خالدة في التربية والوطن والمجتمع. فقد كان صاحب نهجٍ تربوي مميز، آمن برسالة التعليم، وأحب طلابه فأحبوه، وربّى أجيالاً على العلم والأخلاق والانتماء. ورغم مرور السنوات على رحيله، ما زالت ذكراه حية في قلوب كل من عرفه، وما زالت مواقفه الإنسانية والوطنية والتربوية شاهدةً على حياةٍ حافلة بالعطاء.
رحم الله أبا الأدهم، الأستاذ الذي كان معلمي في المدرسة الابتدائية، والذي ترك في نفسي أثراً عميقاً لم يمحه الزمن. لم يكن يكتفي بتعليمنا داخل الصفوف، بل كان يرى في طلابه أبناءً يستحقون أن يفتح لهم أبواب المستقبل، ويغرس فيهم الثقة والطموح وحب العلم.
تعود بي الذاكرة إلى عام 1975، عندما كنت طالباً في الصف الثاني عشر. في ذلك اليوم حضر المرحوم إلى بيتنا وقال لوالدتي: “بدي غزال ييجي معي على التخنيون”. فابتسمت والدتي وقالت: “بنطلون غزال مش ناشف… بدّه شوي وقت.” فانتظرني بصبر، ثم انطلقنا بسيارته الـ”بيجو تندر”، وكان يقودها المرحوم أبو الكامل غنايم، رحمه الله، إلى حيفا.
عند وصولنا إلى التخنيون، تشرفت بمرافقته في لقاء مع رئيس التخنيون. كنت يومها طالباً خجولاً، أراقب كل ما يدور حولي، وتملأ رأسي أسئلة كثيرة عن المستقبل والعلم والحياة. وبعد ذلك حضرنا في قاعة التخنيون مسرحية “رجال في الشمس” للأديب غسان كنفاني، بإخراج الأستاذ رياض مصاروة، حيث كان الأستاذ رامز جرايسي رئيسًا للجنة الطلاب العرب في التخنيون. ثم انتقلنا إلى يوم الطالب في جامعة حيفا، وهناك تشرفت بلقاء البروفيسور جورج قنازع، رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة آنذاك. كانت تلك الرحلة بالنسبة لي مدرسةً في الحياة قبل أن تكون رحلة علمية، وفتحت أمامي آفاقاً جديدة ورسخت في نفسي قيمة التعليم العالي والانتماء.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });ومن الذكريات التي تؤكد مكانته الإنسانية، ما رواه لي عام 1984 أخي العزيز الأستاذ رياض كبها (أبو محمود)، عندما حدثني عن أول زيارة له إلى سخنين عام 1970 لإجراء بحث ميداني. قال: “كانت أول محطة لنا بيت الأستاذ جمال طربية، لكنه لم يكن موجوداً في المنزل، فاستقبلتنا أم الأدهم بكل ترحاب وقالت: تسهّلوا، اقضوا أعمالكم، وتفضلوا بعد ذلك إلى الغداء.” وبعد أن أنهوا مهمتهم عادوا إلى بيت أبي الأدهم، حيث تناولوا الغداء بكل محبة وكرم. عندها أدركت أن بيت أبي الأدهم كان مفتوحاً للجميع، وأن الكرم وحسن الضيافة كانا نهجاً أصيلاً في هذه الأسرة الكريمة.
وللأستاذ جمال طربية دور وطني بارز لا يُنسى، فقد كان من الشخصيات القيادية التي ساهمت في الإعداد والتحضير لـيوم الأرض، وكان من أوائل الداعين إلى الدفاع عن الأرض والحقوق والهوية الوطنية. وقد جمع بين رسالته التربوية والتزامه الوطني، فكان المربي الذي يزرع القيم في نفوس طلابه، والمناضل الذي حمل همّ مجتمعه، مؤمناً بأن التربية والوطنية وجهان لرسالة واحدة.
رحل أبو الأدهم جسداً، لكنه بقي حاضراً في ذاكرة طلابه وأصدقائه وكل من عرفه. وستبقى سيرته العطرة مثالاً للمربي المخلص، والإنسان الكريم، وصاحب البيت المفتوح، وصاحب الموقف الوطني المسؤول.
رحم الله أستاذي العزيز جمال طربية، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لأجيال من أبناء سخنين ومجتمعنا. سيبقى اسمه وذكراه الطيبة مصدر إلهام لكل من عرفه وتتلمذ على يديه.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio