خاطرة

الكتابة بوصفها أثرًا: بين إغواء الصوت واستراتيجية الاختفاء

ربا رباعي 22:02 03/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

هل نكتب استجابةً لنداء داخلي يخشى الانطفاء، أم لأن الكتابة هي الصيغة الأكثر تهذيبًا لإدارة هشاشتنا الوجودية؟

ليس هذا السؤال تمرينًا بلاغيًا، بل مدخلًا إلى فهم الكتابة باعتبارها ممارسة تقع عند تقاطع الأنطولوجيا بالخطاب، حيث يتحوّل الفعل الجمالي إلى تقنية بقاء.

منذ لحظة انفصال الإنسان عن الصوت العابر، ارتبطت الكتابة بوهم مقاومة الفناء. فاللغة المكتوبة ليست استمرارًا للصوت، بل تعويضٌ عنه. يذهب جاك دريدا إلى أن الكتابة لا تحفظ المعنى، بل تُنتج «أثرًا» يؤجّل الغياب دون أن يلغيه؛ إنها حضورٌ مؤجَّل، لا خلودًا حقيقيًا (Derrida, Of Grammatology).

وعليه، فالكتابة لا تنقذ الصوت بقدر ما تعترف بفقدانه.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

غير أن هذا الصوت الذي يُستدعى إلى الصفحة ليس نقيًا ولا مكتملًا؛ إنه صوتٌ مشروط بالخوف. هنا تتأسس مفارقة الكتابة:

نكتب طلبًا للاعتراف، ونكتب في الوقت ذاته تنظيمًا للاختفاء.

فالظهور في النص ليس كشفًا، بل بناء صورة يمكن التحكّم بها.

تساعدنا الوجودية على تفكيك هذا التوتر. يرى جان-بول سارتر أن الوعي بالذات يولّد قلقًا دائمًا، لأن الإنسان مسؤول عمّا يكونه أمام الآخرين (Sartre, Being and Nothingness). في هذا السياق، لا تعمل الكتابة كمرآة للذات، بل كمساحة لإعادة تركيبها؛ ذاتٌ محتملة، قابلة للتأويل، وأقل فجاجة من الحضور المباشر.

أما ميشيل فوكو، فينزع عن الكتابة براءتها الأخلاقية، ويضعها ضمن شبكات السلطة والمعرفة. الخطاب، عنده، ليس تعبيرًا حرًا، بل ممارسة منضبطة تحدّد ما يمكن قوله وما يجب كتمانه (The Archaeology of Knowledge).

من هنا، تغدو الكتابة فعلَ اختيار صارم: اقتصادًا للبوح، لا فيضًا له.

في التحليل النفسي، تتخذ هذه العملية بُعدًا أعمق. ففرويد يرى في التعبير اللغوي شكلًا من أشكال التسامي، حيث تُعاد صياغة القلق والرغبة ضمن منتج ثقافي مقبول (Freud, Civilization and Its Discontents). الكتابة، بهذا المعنى، لا تكشف اللاوعي، بل تُقنّنه. إنها قناعٌ لا يُخفي الوجه، بل يجعله قابلًا للنظر.

ومع ذلك، يبقى الأدب أكثر أشكال الخطاب صدقًا في ازدواجيته. يختزل فرناندو بيسوا هذا المأزق بقوله:

«الشاعر متظاهر… يتظاهر بالألم حتى وهو يتألم حقًا».

فالكتابة لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة. إنها انكسار محسوب للمرآة، يسمح للذات أن تظهر دون أن تنهار.

لهذا، لا يمكن حسم السؤال بالاختيار بين صوتٍ نحميه أو خوفٍ نخفيه. الكتابة ليست أحدهما، بل المسافة الدقيقة بينهما.

إنها المنطقة الرمادية التي تتيح للإنسان أن يكون صادقًا بما يكفي، ومخفيًا بما يكفي، ليواصل الكلام.

نكتب لأن لدينا صوتًا.

ونكتب لأن هذا الصوت لا يحتمل الضوء العاري.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio