خاطرة

ما هي أسباب الخلل في مجتمع يُعد من أكثر المجتمعات العربية تعليما؟

صالح نجيدات 08:06 03/07 |
حمَل تطبيق كل العرب

تشير التقارير والإحصاءات إلى أن المجتمع العربي في الداخل (عرب الـ48) يُعد من أكثر المجتمعات العربية في الوطن العربي من حيث نسبة المتعلمين، وحملة الشهادات الأكاديمية، وعدد الأطباء، وأصحاب المهن الحرة، والمثقفين. ومنطقيا، كان من المفترض أن ينعكس هذا الرصيد العلمي والثقافي على جودة الحياة، وتعزيز وحدة المجتمع، وانخفاض معدلات الجريمة والعنف، وارتفاع مستوى التعاون والتكافل بين أبنائه، وأن يكون المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط به.

لكن الواقع، وللأسف، لا يعكس هذه الصورة المأمولة. فما زلنا نعاني من الانقسام، وارتفاع معدلات الجريمة، وضعف العمل الجماعي، وتغليب المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العامة، حتى بات كثير من أبناء مجتمعنا يشعرون بالإحباط واليأس من حالة التشرذم التي يعيشها مجتمعهم.

إن التعليم، مهما ارتفع مستواه، لا يكفي وحده لبناء مجتمع متماسك، إذا لم يرافقه وعي وطني وأخلاقي واجتماعي. فقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، لكنه قد يفتقد ثقافة الحوار، واحترام الرأي الآخر، وروح العمل الجماعي، والإحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعه , و باعتقادي سببه التربية العائلية وإن شئت التربية القبلية الانانية التي تهتم فقط بالقبيلة أو العائلية .

ومن أسباب هذا الخلل أيضا هيمنة الحزبية الضيقة على الحياة العامة، حيث تتحول بعض الأحزاب إلى غاية بحد ذاتها بدلا من أن تكون وسيلة لخدمة الناس. وعندما تصبح مصلحة الحزب أو مصلحة القيادات أهم من مصلحة المجتمع، تتعمق الانقسامات، وتضعف الثقة بين الناس، ويتراجع المشروع الوطني الجامع.

document.BridIframeBurst=true;

var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });

كما أن غياب مشروع مجتمعي موحد، يجمع حوله جميع القوى السياسية والاجتماعية، أدى إلى تشتت الجهود، بينما تتزايد التحديات التي تواجه أبناء مجتمعنا، من استفحال الجريمة والعنف، وأزمة السكن، وهدم البيوت، والتمييز، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وهجرة الكفاءات، وهي قضايا كان يفترض أن توحد الجميع لا أن تفرقهم.

ولا يمكن إغفال دور التربية الأسرية والمدرسية في بناء الشخصية. فالتعليم الحقيقي لا يقتصر على تحصيل المعرفة، بل يشمل غرس قيم المسؤولية، والانتماء، واحترام القانون، والعمل التطوعي، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية.

كما أن ضعف مؤسسات المجتمع المدني، وتراجع دور النخب الفكرية والثقافية في قيادة الرأي العام، سمح بانتشار الخطاب الانفعالي والشخصنة والتخوين، بدلا من ثقافة الحوار والتخطيط والعمل المشترك.

إن المجتمع المتعلم لا يُقاس فقط بعدد الجامعيين والأطباء والمهندسين، وإنما بمدى قدرته على تحويل هذا العلم إلى قوة أخلاقية واجتماعية ووطنية تخدم الإنسان وتحافظ على وحدته وكرامته.

إن المرحلة التي يمر بها مجتمعنا تستدعي مراجعة صادقة وشجاعة، بعيدا عن تبادل الاتهامات. فنحن بحاجة إلى قيادات تضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار، وإلى أحزاب تتنافس في خدمة الناس لا في تعميق الانقسامات، وإلى نخبة مثقفة تمارس دورها في التوعية والإصلاح، وإلى مجتمع يؤمن بأن وحدته هي مصدر قوته.

فالعلم نعمة عظيمة، لكنه لا يحقق أهدافه إلا إذا اقترن بالتربية الصحيحة والوعي والحكمة، والأخلاق، والإخلاص، والعمل الجماعي. وعندما نجعل الإنسان والوطن والمصلحة العامة فوق كل اعتبار، عندها فقط يصبح التعليم قوة حقيقية تبني مجتمعا متماسكا وقادرا على صناعة مستقبل أفضل لأبنائه.

الدكتور صالح نجيدات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة المستخدم. هل تسمح؟

عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا

الخامس +1 234 56 78

فاكس: +1 876 54 32

البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio