شكلت السنوات الممتدة بين عامي 1967 و1977، أي مرحلة ما بعد انتهاء الحكم العسكري وما قبل صعود اليمين الإسرائيلي ممثلًا بحزب الليكود، منعطفًا حاسمًا في تطور الخطاب السياسي العربي داخل الكنيست. فإذا كانت المرحلة السابقة قد انشغلت بالمطالبة بالحقوق المدنية في ظل الحكم العسكري، فإن رفع هذا الحكم أواخر عام 1966، ثم هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران 1967 (النكسة)، أحدثا تحولًا عميقًا في الوعي السياسي لدى الفلسطينيين في الداخل. فقد أعادت الحرب وصلهم بالضفة الغربية وقطاع غزة بعد نحو عقدين من القطيعة، وأسهمت في تصاعد حضور الهوية الوطنية الفلسطينية، لتنتقل الأولويات تدريجيًا من التركيز على الحقوق المدنية الفردية إلى التأكيد على الهوية الوطنية والحقوق الجماعية.
ولم يقتصر هذا التحول على الخطاب داخل الكنيست، بل امتد إلى النشاط السياسي والشعبي، حيث تجسد في اتساع العمل الوطني الجماهيري، وبلغ ذروته في يوم الأرض عام 1976، الذي شكل نقطة فاصلة في تاريخ الفلسطينيين في الداخل. فمنذ ذلك الحين لم تعد الأرض تُطرح كقضية ملكية أو تخطيط فحسب، بل أصبحت عنوانًا للهوية الوطنية والبقاء الجماعي، وانتقل الخطاب العربي من المطالبة بالحقوق اليومية إلى ربطها بالسياق الوطني الفلسطيني الأشمل، في تحول مهد لمرحلة سياسية جديدة بدأت مع وصول حزب الليكود إلى السلطة عام 1977.
document.BridIframeBurst=true;
var _bos = _bos||[]; _bos.push({ "p": "Brid_26338945", "obj": {"id":"19338","width":"100%","height":"320"} });وعلى الرغم من استمرار وجود شخصيات عربية ضمن القوائم المرتبطة بحزب "مباي"، ولاحقًا حزب العمل، مثل سيف الدين الزعبي، وجبر معدي، ودياب عبيد، وحمد أبو ربيعة، فإن تأثير هذا التيار أخذ يتراجع تدريجيًا مقابل صعود الحزب الشيوعي، ثم "راكاح"، بوصفه القوة العربية الأكثر حضورًا داخل الكنيست. وبرغم تطور خطابه الوطني بعد عام 1967، ظل الحزب متمسكًا بمنطلقاته الفكرية القائمة على العمل البرلماني والشراكة العربية اليهودية داخل مؤسسات الدولة.
وأفرز هذا الواقع تباينًا واضحًا في الخطاب السياسي العربي بين تيار اندماجي ارتبط بأحزاب الحكم، واصل التركيز على المطالب المعيشية والخدماتية ضمن خطاب الموالاة، وتيار اندماجي معارض قاده الحزب الشيوعي، الذي كان - كما أشرنا في المقال السابق - أول من نظّر لفكرة الاندماج في الدولة من خلال شعار المساواة المدنية، لكنه نقل النقاش بعد عام 1967 إلى قضايا الاحتلال والهوية الوطنية والحقوق الجماعية، مع بقائه ملتزمًا بالعمل البرلماني والشراكة العربية اليهودية داخل مؤسسات الدولة.
غير أن هذا التحول لم يكن خروجًا عن الإطار السياسي الذي رسخه الحزب الشيوعي في المرحلة السابقة، بل جاء تطويرًا لخطابه أكثر منه مراجعة لأسسه الفكرية. فالحزب ظل ينطلق من رؤية سياسية تقبل بقيام دولة إسرائيل عام 1948 وتعمل داخل مؤسساتها، ولذلك انصب نقده على سياسات الدولة وممارساتها، ولا سيّما بعد احتلال عام 1967، أكثر من انصبابه على الأساس الذي قامت عليه الدولة نفسها. ومن هذا المنطلق، بقي يرى في الكنيست والعمل البرلماني والشراكة العربية اليهودية داخل مؤسسات الدولة المسار السياسي لتحقيق أهدافه.
وهنا يبرز سؤال يتعلق بعلاقة هذا الخطاب بالمشروع الوطني الفلسطيني. فمنذ النكبة، استند المشروع الوطني الفلسطيني إلى الحق الفلسطيني التاريخي، وإلى رفض النتائج التي ترتبت على نكبة عام 1948 من تهجير وتشريد واقتلاع وإقامة الدولة الإسرائيلية على أنقاض المجتمع الفلسطيني، وتمحور حول التحرير والعودة وإنهاء المشروع الاستعماري الصهيوني. أما الحزب الشيوعي الإسرائيلي، بوصفه حزبًا يضم عربًا ويهودًا، فقد انطلق من مرجعية سياسية مختلفة، إذ قبل بقيام الدولة وعمل داخل مؤسساتها، وتعامل مع المواطنة الإسرائيلية والكنيست باعتبارهما الإطار السياسي لنضاله، مركزًا على المساواة المدنية والحقوق داخل الدولة أكثر من تركيزه على إعادة النظر في شرعية نشأتها أو في البنية السياسية التي قامت عليها. ومن هنا، فإن توجه الحزب وسلوكه السياسي لم يلتقيا، من حيث المنطلقات والأهداف، مع المشروع الوطني الفلسطيني بصيغته التاريخية، بل تحركا ضمن إطار سياسي مغاير، حتى وإن رفع الحزب شعارات الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل، وعارض سياسات التمييز والاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلت عام 1967.
ومن هنا نشأ التوتر الفكري والسياسي الذي رافق الحزب منذ تأسيسه، إذ حاول الجمع بين الانتماء الفلسطيني والدفاع عن الحقوق المدنية من جهة، والعمل داخل إحدى المؤسسات المركزية للدولة الإسرائيلية من جهة أخرى. غير أنه، وبما أن حديثنا في هذه المقالة ينصب على المرحلة الممتدة بين عامي 1967 و1977، فمن المهم الإشارة إلى أن الخطاب الذي تبناه الحزب الشيوعي، ثم تبنته لاحقًا تيارات فلسطينية أخرى، نقل مركز المشروع السياسي الفلسطيني من معالجة نتائج نكبة عام 1948 إلى معالجة نتائج حرب عام 1967. فأصبح جوهر المطالب يدور حول إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تراجع عمليًا موقع القضية التي شكلت أساس المشروع الوطني الفلسطيني، والمتمثلة في استعادة الحقوق التي سُلبت عام 1948، وفي مقدمتها حق العودة وإزالة آثار النكبة. وبهذا المعنى، لم يعد الحق الفلسطيني يُطرح باعتباره حقًا تاريخيًا شاملًا يرتبط بفلسطين كلها، وإنما جرى اختزاله، على المستوى السياسي، في الحقوق التي أفرزها احتلال عام 1967، وهو ما ظل محل نقاش ونقد داخل الفكر السياسي الفلسطيني.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا أحدثت هذه الخطابات داخل الكنيست على أرض الواقع؟ يمكن القول إنها أسهمت، إلى حد ما، في ترسيخ الوعي السياسي والهوية لدى الفلسطينيين في الداخل، وسلطت الضوء على سياسات التمييز ومصادرة الأراضي. غير أن هذه الأدوار لا ترتبط بالضرورة بالعمل البرلماني وحده، إذ كان بالإمكان، وربما بفاعلية أكبر، تحقيق جانب كبير منها من خلال العمل السياسي والشعبي والمجتمعي خارج أسوار الكنيست. ومع ذلك، لم تُفضِ هذه الخطابات إلى تغيير جوهري في بنية الدولة أو في المشروع الصهيوني، الذي ظل متمسكًا بأسسه وسياساته. فلم تتوقف مصادرة الأراضي، ولم ينتهِ التمييز البنيوي، ولم تتغير طبيعة الكنيست، الذي ظل المؤسسة التشريعية العليا للدولة وأحد أعمدة المشروع الصهيوني. ولذلك بقي تأثير هذه الخطابات، إلى حد كبير، محصورًا في إعادة تشكيل الوعي السياسي للعرب في الداخل أكثر من قدرتها على إعادة تشكيل سياسات الدولة نفسها. كما يؤكد ذلك أن الكنيست، باعتباره الإطار الدستوري والتشريعي للدولة الإسرائيلية، ظل بالنسبة إلى الأحزاب العربية منبرًا للاعتراض على السياسات أكثر منه أداةً لإحداث تغيير جوهري في بنية الدولة أو في مشروعها السياسي.
عنوان: اختبار طريقة اختبار الشارع P.O. 60009 دولور / ألاسكا
الخامس +1 234 56 78
فاكس: +1 876 54 32
البريد الإلكتروني: amp@mobius.studio